فشل المسار الدبلوماسي يعيد خيار تغيير النظام الإيراني إلى الواجهة في واشنطن
كشفت صحيفة فايننشال تايمز أن مسؤولين داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعيدون إحياء النقاش بشأن تبني استراتيجية تستهدف إحداث تغيير في النظام الإيراني، بعد تعثر الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التوتر مع طهران.
وبحسب الصحيفة البريطانية، ترى شخصيات نافذة في الإدارة أن سياسة الضغوط الاقتصادية والعقوبات لم تحقق النتائج المرجوة، ما دفعها إلى دراسة خيارات بديلة تتجاوز المسار التفاوضي.
وتشمل الأفكار المطروحة دعم حراك داخلي مناهض للحكومة الإيرانية بهدف زيادة الضغوط السياسية على القيادة في طهران، إلى جانب إعادة النظر في مقترح إسرائيلي سابق يقضي بتقديم دعم لجماعات كردية معارضة تنشط على الحدود الإيرانية، باعتباره إحدى أدوات الضغط المحتملة.
وتأتي هذه المناقشات في وقت يشهد فيه الملف الإيراني حالة من الجمود، وسط تباين داخل الإدارة الأميركية بشأن أفضل السبل للتعامل مع إيران، بين من يفضل مواصلة الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، ومن يدعو إلى تبني خيارات أكثر تشدداً تستهدف إضعاف النظام من الداخل.
ويرى مراقبون أن إعادة طرح هذه الخيارات تعكس تنامي الشكوك داخل بعض دوائر صنع القرار الأميركية بشأن جدوى النهج الحالي، لكنها في الوقت نفسه قد تثير مخاوف من تصعيد إقليمي أوسع، خاصة إذا اقترنت بدعم مباشر لقوى معارضة أو جماعات مسلحة، وهو ما قد تعتبره طهران تدخلاً في شؤونها الداخلية وترد عليه بإجراءات مضادة.
ففي حين يرى التيار المتشدد أن الوقت مناسب للانتقال من سياسة العقوبات إلى استراتيجية تستهدف تغيير موازين القوى داخل إيران، يعتقد مسؤولون آخرون أن مثل هذه الخطوات قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتدفع المنطقة نحو مواجهة عسكرية واسعة يصعب احتواؤها.
ويحذر أصحاب هذا الرأي من أن التجارب الأميركية السابقة في دعم تغيير الأنظمة، سواء في العراق أو ليبيا أو أفغانستان، أظهرت أن إسقاط الأنظمة لا يضمن بالضرورة تحقيق الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية طويلة الأمد.
وتشير المعلومات إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في تشجيع احتجاجات داخلية عبر دعم قوى المعارضة الإيرانية سياسياً وإعلامياً، والاستفادة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد.
ويستند أصحاب هذا الطرح إلى الاعتقاد بأن الضغوط الاقتصادية المتراكمة، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة المحلية، إلى جانب الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية، قد تخلق بيئة أكثر قابلية لحدوث اضطرابات واسعة يمكن أن تضعف قبضة النظام.
لكن هذا الرهان يواجه انتقادات داخل الولايات المتحدة نفسها، إذ يرى معارضوه أن مؤسسات الدولة الإيرانية ما زالت تمتلك أدوات أمنية وسياسية قوية تمكنها من احتواء أي تحركات داخلية، كما حدث في موجات الاحتجاج السابقة.
ومن بين الخيارات التي كشف عنها التقرير أيضاً إعادة مناقشة مقترح إسرائيلي سابق يقضي بتقديم دعم لجماعات كردية معارضة تنشط في المناطق الحدودية مع إيران. ويستند هذا التصور إلى استخدام الضغوط الأمنية على أطراف إيران لإرباك المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية، وإجبارها على تخصيص موارد أكبر لمواجهة التحديات الداخلية.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد تعتبره طهران تدخلاً مباشراً في شؤونها الداخلية، ما قد يدفعها إلى الرد عبر توسيع نطاق عملياتها الإقليمية أو استهداف المصالح الأميركية وحلفائها في الشرق الأوسط.
وحذرت فايننشال تايمز من أن هذا المسار ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي أي تصعيد إلى توسيع رقعة الصراع واستنزاف القدرات العسكرية الأميركية، مشيرة إلى أن الحرب استهلكت نحو 30 بالمئة من صواريخ “توماهوك” و50 بالمئة من صواريخ “باتريوت” خلال الأسابيع الأولى من المواجهة، وهي ذخائر كانت مخصصة أساساً لأي مواجهة محتملة مع الصين بشأن تايوان.
ولم يكن الحديث عن “تغيير النظام” جديداً في السياسة الأميركية تجاه إيران، إذ طُرح هذا الخيار منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، وتكرر في إدارات مختلفة بدرجات متفاوتة. غير أن الإدارات الأميركية المتعاقبة كانت تتجنب تبني هذا الهدف بشكل رسمي، إدراكاً لما قد يترتب عليه من تداعيات إقليمية ودولية، فضلاً عن غياب ضمانات لنجاح مثل هذه الاستراتيجية.
ويشير محللون إلى أن أي محاولة لإضعاف النظام الإيراني من الداخل ستواجه تحديات معقدة، أبرزها قدرة طهران على توظيف التهديد الخارجي لتعزيز التماسك الداخلي، إضافة إلى امتلاكها شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء في المنطقة، ما يمنحها أدوات متعددة للرد.
وإذا تحولت هذه المناقشات إلى سياسة عملية، فمن المرجح أن تشهد المنطقة تصعيداً جديداً يشمل زيادة الضغوط الاقتصادية على إيران، وتكثيف العمليات الاستخباراتية، وتوسيع الدعم للقوى المعارضة، وربما ارتفاع وتيرة المواجهات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل.
كما قد ينعكس ذلك على أمن الخليج، وحركة الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل المفاوضات النووية، فضلاً عن زيادة حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية.
ويكشف التقرير أن النقاش داخل إدارة ترامب لم يعد يقتصر على كيفية احتواء إيران، بل امتد إلى إعادة تقييم الهدف الاستراتيجي نفسه، عبر دراسة خيارات تستهدف تغيير سلوك النظام أو إضعافه من الداخل، وهي خيارات قد تحمل تداعيات تتجاوز حدود إيران لتشمل مجمل التوازنات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.






