إفشاء أسرار الحرب يضع عراقجي في مواجهة المحافظين
تحولت مقابلة مطولة أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع المخرج الوثائقي المحافظ جواد موغويي إلى محور جدل سياسي وإعلامي واسع في إيران، بعدما اعتبر منتقدون أن الوزير كشف تفاصيل غير مسبوقة عن كواليس الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وآليات إدارة الأزمة، والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بل وأفشى معلومات ذات طابع أمني أثارت انتقادات حتى داخل وسائل إعلام محسوبة على التيار المحافظ.
ولم يقتصر الجدل على مضمون تصريحات عراقجي، بل امتد إلى طبيعة المنصة التي اختارها للحديث؛ إذ أجرى المقابلة مع موغويي، المعروف بأفلامه الوثائقية عن الحرس الثوري وقاسم سليماني و”محور المقاومة”، بدلاً من الظهور عبر وسائل الإعلام الرسمية أو إجراء مقابلة صحافية تقليدية.
مستند ماجرای جنگ ۲
مصاحبه جواد موگویی با دکتر عراقچی وزیر خارجه جمهوری اسلامی ایران
(فیلم کامل)بخشهای این مصاحبه به تدریج در زیر همین پست و در کانال تلگرام قرار خواهد گرفت (لینک در بایو) pic.twitter.com/cVbWaVQkLJ
— مش ممد🥷🏼 (@mhmdhsyn__) July 19, 2026
ففي إحدى فقرات الحوار، قال عراقجي إنه عقد اجتماعين داخل أحد الأنفاق خلال الحرب، وإنه وموظفي وزارة الخارجية كانوا يتنقلون في شوارع طهران رغم الضربات. وعندها قاطعه موغويي قائلا إن “الجميع يعرف النفق”، قبل أن يضيف أنه يقع “في نهاية شارع بيروزي”، مشيرا أيضا إلى نفق آخر في منطقة دربند، ومعتبرا أن القادة يترددون كثيراً على هذين الموقعين.
وأثار هذا المقطع انتقادات حادة، إذ تساءل موقع “رجا نيوز”، المحسوب على التيار الأصولي، عن سبب الكشف عن مواقع قال إنها تستخدمها القيادات الإيرانية، معتبرا أن ذلك “يسهم في استكمال بنك معلومات العدو”.
وأضاف أن فريق إعداد المقابلة كان ينبغي أن يحذف هذه الفقرة، متسائلا أيضا عن كيفية معرفة المحاور بهذه التفاصيل الدقيقة، ولماذا اختار ذكرها على الملأ، حتى لو كانت إسرائيل قد استهدفت أحد تلك الأنفاق في السابق.
بل إن “رجا نيوز” ذهب أبعد من ذلك، معتبرا أن المشكلة ليست فقط في ما قاله عراقجي، وإنما في ما كشفه موغويي نفسه، إذ كتب أن المحاور “أعلن العنوان الدقيق لأماكن يتردد عليها القادة”، ووصف ذلك بأنه تصرف يثير “تساؤلات أمنية خطيرة”.
وشكلت افتتاحية نشرها موقع “تابناك”، القريب تقليديا من الأوساط المحافظة، أبرز حلقات السجال، إذ حملت عنواناً لافتا: “ما هدف عراقجي من هذه المقابلة الغريبة؟”، وذهبت إلى حد اتهام وزير الخارجية بارتكاب “هفوات معلوماتية وأمنية” قد تفيد إسرائيل والولايات المتحدة أكثر مما تخدم الرأي العام الإيراني.
واعتبر الموقع أن عراقجي تجاوز الخطوط الحمراء عندما تحدث عن أماكن وجود كبار المسؤولين خلال الحرب، وآليات انتقالهم بين المواقع المحصنة، ووجود أنفاق وملاجئ استخدمت لحمايتهم، فضلاً عن إشارته إلى ما وصفه بوجود “ثغرات أمنية” داخل البلاد، وهي معلومات رأى الموقع أنه لا ينبغي طرحها في مقابلة إعلامية نظراً لحساسيتها الأمنية.
كما أثارت تصريحات الوزير بشأن وجود مخططات لاستهداف القيادة الإيرانية خلال الحرب، وما رافقها من إشارات إلى الإجراءات الأمنية التي اتخذت لحماية كبار المسؤولين، موجة انتقادات جديدة، إذ رأى معلقون أن الكشف عن مثل هذه التفاصيل يقدم معلومات قد تكون ذات قيمة استخباراتية.
ولم يوفر “تابناك” المحاور نفسه من الانتقادات، معتبراً أن جواد موغويي، رغم شهرته في إنتاج الأفلام الوثائقية، لا يمتلك الخبرة الصحافية اللازمة لإدارة حوار مع مسؤول بهذا المستوى، وأن اختياره لإجراء المقابلة بدلا من صحافي متخصص كان “قرارا غير احترافي”.
وكشف الموقع أيضاً أن مقابلة سابقة كان موغويي قد أجراها مع عراقجي لم تبث عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، معتبرا أن الجدل الذي أثارته المقابلة الأخيرة يبرر، من وجهة نظره، قرار منع بث المقابلة السابقة.
وفي المقابل، دافع مؤيدون لعراقجي عن تصريحاته، معتبرين أن معظم المعلومات التي أثارت الجدل معروفة لدى أجهزة الاستخبارات الأجنبية، وأن المشكلة الحقيقية ليست في كشفها للخصوم، بل في حجبها عن الرأي العام الإيراني.
كما رأى آخرون أن وزير الخارجية لا يمكن أن يكون قد أدلى بهذه التصريحات من دون موافقة المؤسسات العليا، ما يعني أن الرسائل التي حملتها المقابلة كانت مقصودة وليست زلات لسان.
‘القنبلة الذرية الإيرانية هي مضيق هرمز’
وتزامن الجدل مع اهتمام خاص بالشق المتعلق بالمفاوضات النووية، إذ كشف عراقجي أن الولايات المتحدة عرضت، بحسب روايته، حوافز اقتصادية واستثمارات واسعة مقابل قبول إيران بقيود على برنامجها النووي، مؤكداً أنه رفض تلك العروض، قائلاً إن تخصيب اليورانيوم “ليس للبيع، لا بالترغيب ولا بالتهديد”.
كما لاقت عبارته التي قال فيها إن “القنبلة الذرية الإيرانية هي مضيق هرمز” اهتماماً واسعاً داخل إيران وخارجها، إذ اعتبرها مؤيدوه تعبيراً عن قدرة طهران على الردع من خلال موقعها الجغرافي وسيطرتها على أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة، بينما رأى منتقدون أنها تمنح خصوم إيران مادة إضافية لتصويرها باعتبارها تهديداً للملاحة الدولية.
ولم تحظ المقابلة بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الأميركية بقدر ما استقطبت تحليلات ركزت على مضمونها السياسي، معتبرة أن تصريحات عراقجي تؤكد تمسك طهران بمواصلة تخصيب اليورانيوم رغم الحرب الأخيرة، وأن رسالته الأساسية كانت التأكيد على أن الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية لم تدفع الجمهورية الإسلامية إلى تغيير مواقفها التفاوضية.
ويرى مراقبون أن توقيت المقابلة لم يكن عرضياً، إذ جاءت بعد أسابيع من الحرب مع إسرائيل وفي ظل استمرار الجمود في الملف النووي، ما دفع بعض المحللين الإيرانيين إلى اعتبارها جزءاً من محاولة رسم الرواية الرسمية لمرحلة ما بعد الحرب، عبر التأكيد على أن إيران خرجت من المواجهة من دون تقديم تنازلات استراتيجية، في حين رأى منتقدون أن الجدل الذي أثارته كشف أيضاً حجم الانقسام داخل الأوساط المحافظة بشأن حدود ما يمكن للمسؤولين الكشف عنه أمام الرأي العام.
شرخ في النظام
لكن خلف الانتقادات الأمنية، يعكس الهجوم أيضا خلافاً سياسيا أعمق حول شخصية عراقجي نفسه، الذي يمثل جناح الدبلوماسيين الذين راهنوا على التفاوض مع الغرب، وهو التيار الذي تعرض لانتقادات واسعة من المحافظين منذ توقيع الاتفاق النووي عام 2015.
الهجوم الذي شنته مواقع مثل “رجا نيوز” و”تابناك” على المقابلة لا يعكس فقط اعتراضا على كشف تفاصيل أمنية، بل يعبر عن صراع داخل السلطة حول اتجاه الجمهورية الإسلامية بعد الحرب وصراع أجنحة أججه اغتيال المرشد السباق خامنئي وغياب خلفه مجتبى عن الظهور العلني.
ومؤخرا طفت للسطح مؤشرات على وجود خلاف داخل النظام حول تفسير نتائج المواجهة العسكرية وطريقة التعامل مع الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي يرى فيه المحافظون والمتشددون أن الضغوط العسكرية أثبتت ضرورة الاعتماد على القوة وتحصين أدوات الردع، يعتبر تيار آخر داخل السلطة أن استمرار المواجهة المفتوحة يهدد الاقتصاد الإيراني ويقلص هامش المناورة السياسية.
وفي هذا السياق، أصبح عراقجي أحد أبرز وجوه المعسكر الداعي إلى إبقاء باب التفاوض مفتوحا، باعتباره وزير الخارجية والمسؤول عن إدارة القنوات الدبلوماسية مع القوى الدولية. ولذلك لم تكن الانتقادات التي طالته بعد المقابلة منفصلة عن هذا الصراع، إذ رأى خصومه أن ظهوره الإعلامي يخدم خطاباً يقوم على البحث عن تسويات، بينما يرى مؤيدوه أن الدبلوماسية جزء من أدوات القوة وليست بديلاً عنها.
وكانت مؤشرات التوتر الداخلي قد ظهرت خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، التي أرادت السلطات تقديمها باعتبارها استعراضاً للوحدة الوطنية، لكنها شهدت، بحسب مقاطع تداولتها وسائل إعلام إيرانية معارضة وصحف أجنبية، هتافات استهدفت الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي.
وظهرت تسجيلات لهتافات ضد بزشكيان تحت شعار “الموت للمساوم”، وضد عراقجي بعبارات اتهمته بالخيانة، في إشارة إلى رفض المتشددين لأي انفتاح على الولايات المتحدة أو عودة إلى مسار التفاوض.







