الهدنة اللبنانية تدفع نحو آمال بإنهاء التصعيد
أحيى وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في لبنان الآمال بتبريد الفوهة المشتعلة للصراع المباشر مع إيران، وطي صفحة التصعيد الدراماتيكي الذي وضع الشرق الأوسط والعالم بأسره على حافة بركان. فمع إعلان الرئيس دونالد ترامب عن هدنة الأيام العشرة بين إسرائيل وحزب الله، أعربت العواصم العالمية عن تفاؤلها، معتبرة أن هذه الخطوة قد تكون “حجر الزاوية” في هندسة تسوية شاملة تُنهي الحرب على طهران، وتنزع فتيل انفجار إقليمي كاد أن يعيد صياغة خرائط الطاقة والاقتصاد العالمي تحت وطأة النيران.
ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي بهدف وقف الصراع بين إسرائيل وحزب الله، وهو النزاع الذي تأجج بشكل غير مسبوق نتيجة تداعيات الحرب الأميركية – الإسرائيلية المباشرة على إيران. واندلع التصعيد في الثاني من مارس/آذار الماضي، حين انخرطت الجماعة المدعومة من طهران في العمليات القتالية.
ولقي هذا الإعلان ترحيباً دولياً واسعاً، حيث وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الاتفاق بأنه “مصدر راحة كبير”، مؤكدة أن هذا الصراع حصد من الأرواح ما يكفي. وكشفت الإحصائيات عن فاتورة إنسانية مروعة؛ إذ قُتل آلاف الأشخاص، معظمهم في إيران ولبنان، منذ اندلاع الهجمات على طهران في 28 فبراير/شباط التي ردت عليها طهران بضربات جوية استهدفت ما تقول إنه “مصالح أميركية” في دول مجاورة في منطقة الخليج
ولم تكن المأساة إنسانية فحسب، بل تحولت إلى أزمة وجودية للاقتصاد العالمي. فقد تسبب إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط والغاز العالمية، في إحداث صدمة سعرية هي الأسوأ في التاريخ.
ودفع هذا الانسداد صندوق النقد الدولي إلى خفض توقعاته للنمو العالمي بشكل حاد، فيما حذرت الهيئات المالية الدولية من أن استمرار النزاع سيدفع العالم لا محالة نحو ركود اقتصادي عميق.
ورغم القلق، شهدت الأسواق العالمية اليوم الخميس قفزات قياسية، مدفوعة بآمال التوصل إلى حل سريع، وإن كانت أسعار النفط لا تزال تعكس حالة من “الضبابية الحذرة” بانتظار التأكد من فتح المضيق فعلياً.
وفي غمرة هذا التصعيد، برز دور إسلام آباد كلاعب محوري في نزع فتيل الأزمة. فقد وصل قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، إلى طهران أمس الأربعاء في مهمة دبلوماسية مكوكية تهدف لمنع تجدد القتال. وتشير المعلومات إلى أن الوسيط الباكستاني حقق تقدماً ملموساً في “الملفات الشائكة”، وهو ما أكده مسؤول إيراني كبير لرويترز، مشيراً إلى أن الزيارة عززت آمال تمديد وقف إطلاق النار الحالي لمدة أسبوعين إضافيين، تمهيداً لجولة ثانية من المحادثات في إسلام آباد.
وتعرض الولايات المتحدة رفع العقوبات الاقتصادية وإلغاء تجميد أصول إيرانية بمليارات الدولارات مقابل اتفاق دائم. في المقابل، وجه وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، تحذيراً شديد اللهجة من البنتاغون، مؤكداً استعداد قوات بلاده لضرب “البنية التحتية الحيوية ذات الاستخدام المزدوج، ومحطات الكهرباء، وقطاع الطاقة” في حال فشل المفاوضات.
وتظل طموحات إيران النووية هي أبرز عقدة في منشار التفاوض. وتكشف التقارير عن تباين واضح في الرؤى، حيث تقترح واشنطن تعليق جميع الأنشطة النووية لمدة 20 عاماً مع نقل المواد المخصبة خارج البلاد، بينما تصر طهران على تعليق يتراوح بين 3 إلى 5 سنوات فقط، وتربط فتح مضيق هرمز بوقف دائم لإطلاق النار وضمانات أممية تمنع أي هجمات مستقبلية.
وذكرت مصادر أن إيران بدأت تدرس شحن “جزء” من يورانيومها عالي التخصيب إلى الخارج، وهو تنازل لم يكن مطروحاً في السابق، مما قد يمهد الطريق لاتفاق تقني ينهي حالة الصراع المباشر.
ويمثل وقف إطلاق النار في لبنان أكثر من مجرد هدنة تكتيكية؛ إنه “بالون اختبار” لمدى جدية الأطراف في إنهاء حرب إيران. فإذا نجحت الدبلوماسية في تحويل الهدنة المؤقتة إلى تسوية دائمة، فإن المنطقة قد تنجو من حرب شاملة ومع ذلك، يبقى التفاؤل حذراً؛ فالمسافة بين “المصافحة” وبين “الضغط على الزناد” لا تزال محكومة بمدى التنازلات التي ستقدم في الغرف المغلقة في إسلام آباد وطهران.







