بيغاسوس .. بين صخب الاتهامات وغياب الإثبات
في السياسة، ليست كل عودة إلى الماضي بحثًا عن الحقيقة. أحيانًا لا يكون الجديد في الوقائع، بل في توقيت استدعائها والوظيفة المراد لها أن تؤديها.
تلك هي المفارقة التي تحيط بالعودة الإعلامية إلى ملف برنامج التجسس ‘بيغاسوس’ والعودة لإقحام المغرب فيه بلا أدلة، فبينما كانت العلاقات الفرنسية المغربية تشهد تحولًا استراتيجيًا، تُرجم مؤخرا إلى حزمة اتفاقيات توسع الشراكة الاستراتيجية وقدم مزيدا من الزخم إلى اعتراف باريس الصريح بمغربية الصحراء وبمقترح الحكم الذاتي أساسا وحيدا وواقعيا لحل النزاع المفتعل من قبل بوليساريو وحاضنتها الجزائر، عادت شبكة ‘فوربيدن ستوريز’ إلى استدعاء اتهامات سبق تداولها قبل سنوات، لكن في غلاف تحريري جديد وسياق سياسي مختلف.
المسألة هنا لا تتعلق بحرمان الصحافة من حقها في التحقيق أو التشكيك، فالصحافة الاستقصائية تؤدي دورًا ضروريًا في كشف ما تحاول مؤسسات السلطة إخفاءه، لكن هذا الدور لا يعفيها من سؤال الصدقية، ولا يمنح روايتها حصانة من التدقيق، خصوصًا عندما تكون الاتهامات ثقيلة، والفاعل المفترض دولة، والموضوع متصلًا بالاستخبارات والأمن القومي والعلاقات الدولية وعندما تنتقل كذلك من صناعة الادراك إلى صناعة الضجيج.
السؤال الذي يستحق الطرح ليس ما إذا كانت الشبكة قد أعادت نشر الاتهامات، بل ما الذي أضافته فعليًا إلى ملف ظهر سنة 2021، ورد عليه المغرب في حينه سياسيًا وتقنيًا وقانونيًا.
هل ظهر عقد شراء يربط الدولة المغربية ببرنامج “بيغاسوس”؟ هل كُشف ترخيص تصدير محدد؟ هل قُدمت سجلات تشغيل تثبت الجهة التي أطلقت عمليات الاختراق؟ وهل ظهرت وثيقة صادرة عن شركة ‘إن إس أو’ تربط المغرب مباشرة باستخدام البرنامج؟
حتى الآن، لا يبدو أن الرواية الجديدة للشبكة قدمت الحلقة التي ظل الملف يفتقدها منذ بدايته.
ما عُرض هو إعادة تجميع لمؤشرات تقنية، وشهادات لمصادر غير معلنة، ووثائق متفرقة، ثم ربطها ضمن سردية واحدة. قد تكون هذه المادة في ظاهرها كافية لإثارة الاشتباه وفتح النقاش، لكنها لا تكفي وحدها لتحويل الفرضية والاستنتاجات إلى حقيقة نهائية.
هنا تبدأ أزمة الرواية
في القضايا السيبرانية، لا تعني معرفة نوع البرنامج المزروع في الهاتف معرفة الجهة التي شغلته. أدوات التجسس متحركة، عابرة للحدود، وقابلة للاستخدام من أجهزة ودول ووسطاء متعددين. وإثبات وقوع الاختراق لا يساوي بالضرورة إثبات هوية المشغّل.
هذا التمييز هو ما تغفله السردية الإعلامية حين تنتقل سريعًا من المؤشر التقني إلى تسمية الفاعل السياسي، فالتحقيق الصحفي يستطيع أن يجمع شهادات ويربط الوقائع، ويبني فرضيات، لكنه لا يستطيع أن يعفي نفسه من إثبات الصلة بين الأداة ومستخدمها. وكلما كانت التهمة أخطر، ارتفع معيار الدليل المطلوب والحاجة إلى تقديم أدلة قاطعة تعزز صدقية الرواية إن كانت تستند أصلا للصدقية وتخضع لمعايير الموثوقية.
المشكلة ليست في قلة المعلومات، بل في غياب الرابط الحاسم بينها
إن تضاعف عدد المقالات والمؤسسات المشاركة في النشر لا يضاعف تلقائيًا قوة الإثبات ولا يقدم حجة أوبرهانا. كما أن تكرار الرواية بلغات ومنصات متعددة لا يحولها إلى حقيقة قانونية، فانتشار الاتهام شيء، وثبوته شيء آخر.
لذلك يصبح من المشروع التشكيك في صدقية الرواية، لا انطلاقًا من إنكار مسبق، بل من فحص بنيتها، فإذا كان ما سمي بأنه “تحقيق جديد” يُعيد استخدام المادة القديمة نفسها، ويصل إلى الاستنتاج ذاته، من دون تقديم أثر رقمي قاطع أو وثيقة تشغيلية مباشرة، فما الذي تغير سوى أسلوب العرض وحجم الضجيج المصاحب له؟
المغرب أجاب عن الأسئلة نفسها
حين ظهرت المزاعم أول مرة، لم يكتف المغرب بالنفي السياسي، فقد طالب الجهات الناشرة بتقديم أدلة جنائية رقمية قابلة للفحص المستقل. كما لجأ إلى القضاء الفرنسي، ساعيًا إلى نقل الملف من صفحات الصحف إلى ساحات المحاكم.
لم تُفضِ بعض الدعاوى إلى النتائج التي أرادتها الرباط، لكن ذلك لا يعني أن القضاء الفرنسي أثبت صحة الاتهامات، فعدم قبول الدعوى لأسباب مرتبطة بالإجراءات أو بقواعد قانون التشهير لا يساوي حكمًا في جوهر الوقائع. وبين رفض دعوى لسبب شكلي وإدانة دولة باستخدام برنامج تجسس مسافة قانونية لا يجوز اختصارها.

المفارقة أن خصوم المغرب استخدموا تعثر المسار القضائي بوصفه تأكيدًا ضمنيًا لروايتهم، في حين ظل السؤال الأصلي بلا جواب: أين الدليل المباشر الذي يمكن اختباره أمام جهة قضائية مستقلة؟
إعادة نشر المزاعم لا تجيب عن هذا السؤال. إنها تعيده إلى التداول فقط.
وهذا هو الفارق بين الكشف وإعادة الإنتاج. الكشف يضيف حقيقة جديدة تغير فهم القضية، أما إعادة الإنتاج فتمنح المادة القديمة حياة إعلامية جديدة، من دون أن تغير بنيتها الإثباتية.
التوقيت ليس هامشًا
لو جاءت العودة إلى ملف “بيغاسوس” مصحوبة بدليل يثبت صحة المزاعم السابقة والمتجددة، لتراجع النقاش حول التوقيت أمام أهمية الكشف، لكن حين يغيب الجديد، يصبح توقيت النشر جزءًا من مضمون الرسالة.
العلاقات الفرنسية المغربية خرجت خلال الفترة الأخيرة من مرحلة التردد إلى طور الشراكة الاستراتيجية. الموقف الفرنسي من الصحراء أزال واحدة من أكبر نقاط التوتر بين البلدين، وفتح الباب أمام تعاون أوسع في الاقتصاد والاستثمار والأمن والطاقة وإفريقيا.
في خضم هذه الدينامية، استُعيد ملف شديد الحساسية بالنسبة إلى الداخل الفرنسي، لأنه ارتبط سابقًا بمزاعم استهداف مسؤولين وشخصيات فرنسية.
لا يثبت هذا التزامن وجود غرفة عمليات تدير النشر، ولا يكفي وحده للقول إن التحقيق أداة تابعة لأجندة سياسية، لكن تجاهل السياق سيكون سذاجة مماثلة، فالمنصات الإعلامية لا تعمل في فراغ، والملفات الاستخباراتية لا تعود إلى الواجهة من دون آثار سياسية، سواء كانت تلك الآثار مقصودة أو مجرد نتيجة متوقعة.
المحصلة أن إعادة طرح الملف صنعت ضجيجًا في لحظة دبلوماسية حساسة، وأعادت إدخال الاتهامات القديمة إلى النقاش الفرنسي، ووفرت مادة للقوى المتحفظة على التقارب مع الرباط، لكنها لم تقدم، في المقابل، ما يثبت أن جوهر الملف تغير.
الضجيج بوصفه بديلًا عن الكشف
في الإعلام الحديث، يمكن أن تتحول كثافة النشر إلى بديل نفسي عن قوة الدليل، فالتحقيق المشترك وعدد المؤسسات المشاركة فيه وحجم التغطية الدولية، كلها تصنع انطباعًا بأن القضية حُسمت، غير أن الحشد الإعلامي لا يسد الثغرات التقنية.
قد تنجح الحملة في تشكيل الرأي العام، أو وضع حكومة تحت الضغط، أو التشويش على زيارة دبلوماسية، لكنها تبقى مطالبة بإثبات ادعائها المركزي. وحين تعجز عن ذلك، يصبح أثرها السياسي أكبر من قيمتها الإثباتية.
هنا يكمن جوهر ملف “بيغاسوس” المتجدد. نحن أمام عملية إنتاج للانطباع أكثر مما نحن أمام كشف يغير ما كان معروفًا. الجديد هو طريقة تقديم القديم، واللحظة المختارة لإعادته، والفضاء السياسي الذي أُطلق فيه.
أما الدليل الذي طال انتظاره، فما زال غائبًا.
والمنطق السياسي يطرح بكل قوة فرضية أنه لا يمكن فصل القضية عن الصراع الأوسع على النفوذ في شمال إفريقيا وغرب المتوسط.
المغرب عزز موقعه خلال السنوات الماضية بوصفه شريكًا أمنيًا واقتصاديًا لأوروبا، وراكم مكاسب دبلوماسية في ملف الصحراء. وقد غيّرت مواقف الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا طبيعة التوازن الإقليمي، ومنحت الرباط مجالًا أوسع للحركة.
حين تتغير موازين القوى، لا تظل المنافسة محصورة في القنوات الدبلوماسية، تنتقل إلى الإعلام، والتقارير الحقوقية، ومراكز الأبحاث، والمنظمات غير الحكومية، وحملات التأثير في الرأي العام.
ليس ضروريًا أن تكون كل مؤسسة إعلامية جزءًا مباشرًا من استراتيجية دولة حتى تتحول مادتها إلى أداة داخل الصراع. يكفي أن تتقاطع الرواية مع مصالح أطراف سياسية، وأن يجري توظيفها في التوقيت المناسب، لتصبح عنصرًا من عناصر الحرب الناعمة.
وهذا ما يمنح قضية “بيغاسوس” معناها الجيوسياسي، فهي لم تعد نقاشًا تقنيًا حول برنامج اختراق، بل معركة حول من يملك حق تعريف الوقائع، ومن يستطيع تثبيت روايته في الوعي العام والقدرة على توجيه هذه الرواية إلى مسار آخر.. المغرب خبر ذلك لسنوات وأصبح أكثر قدرة على مواجهة حملات تشن ضده بكل هدوء وتفكيك سرديات قامت أساسا على اثارة الضجيج وافتعال أزمات.
معركة الإدراك
السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الاتهامات قد عادت، بل لماذا عادت الآن، وما الذي أضافته إلى ما كان معروفًا؟
الجواب، حتى هذه اللحظة، لا يصب في مصلحة الرواية الإعلامية التي قدمتها شبكة “فوربيدن ستوريز”، فما قُدم يبدو أقرب إلى إعادة تدوير ملف قديم رد عليه المغرب في حينه، لا إلى كشف جديد ينقل القضية من دائرة الاشتباه إلى دائرة الإثبات.
هذا لا يعني أن كل أسئلة “بيغاسوس” أُغلقت، لكنه يعني أن التوازن والرصانة يفرضان عدم تقديم القرائن بوصفها أحكامًا، وعدم استخدام اتساع التغطية بدلًا من صلابة الدليل.
في زمن حروب السرديات، لا تحتاج الحملات إلى إثبات كامل كي تحقق غايتها. يكفي أحيانًا أن تزرع الشك، وتربك المسار السياسي، وتفرض على الخصم الدفاع عن نفسه في اللحظة التي يريد فيها تثبيت مكاسبه لهذا تبدو العودة إلى “بيغاسوس” جزءًا من معركة أكبر من البرنامج نفسه. إنها معركة على الصورة والشرعية وإدارة الإدراك، في منطقة يعاد فيها ترتيب النفوذ.
أما الحقيقة، فلا يحسمها ارتفاع الضجيج، بل تقديم الدليل على صحة تلك المزاعم وحتى يتم تقديم أدلة على تلك الادعاءات، سيظل الجديد في ملف “بيغاسوس” هو توقيت نشره، لا حقيقة مضمونه المكرر وإن بحلة أخرى.







