الشرق الأوسط بين التصعيد والتهدئة.. أسباب تعثر مبادرات وقف النار
رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الأشهر الماضية سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار في أكثر من ساحة ساخنة بالشرق الأوسط، فإن الواقع الميداني يكشف أن تلك التفاهمات لم تنجح في إنهاء العنف، بل أدت في أحسن الأحوال إلى خفض وتيرته.
وبينما تتواصل الغارات والضربات الصاروخية في غزة ولبنان ومنطقة الخليج (عدوان إيراني صاروخي متقطع على دول خليجية)، تتزايد التساؤلات حول أسباب تعثر الجهود الأميركية في تحويل الهدن المؤقتة إلى تسويات مستدامة.
وخلال الأسبوع الجاري، تعرضت مناطق في غزة وجنوب لبنان وشمال إسرائيل والكويت لهجمات عسكرية متبادلة، رغم أن هذه الساحات يفترض أن تكون مشمولة باتفاقات وقف إطلاق النار التي رعتها واشنطن. وشنت إسرائيل غارات جوية على غزة ولبنان، فيما أطلق حزب الله صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، بينما نفذت إيران عدوانا استهدفت مطار الكويت الدولي.
ودفع استمرار المواجهات ترامب إلى الإقرار بأن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في الشرق الأوسط لا يعني توقف القتال بشكل كامل، بل “إطلاق نار أكثر اعتدالا”، في توصيف يعكس حجم الفجوة بين الاتفاقات المعلنة والوقائع الميدانية.
وفي قطاع غزة، نجحت الوساطة الأميركية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 في إنهاء الحرب الواسعة بين إسرائيل وحركة حماس والتوصل إلى اتفاق تضمن إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين والإفراج عن أسرى فلسطينيين وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية وفتح معبر رفح، إلى جانب انسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع.
غير أن الملفات الأكثر حساسية بقيت دون حل، فما زالت إسرائيل وحماس تختلفان بشأن حجم المساعدات الإنسانية وآليات إدارة القطاع ومستقبله السياسي، فيما ترفض الحركة مطلب نزع سلاحها، بينما تصر تل أبيب على الاحتفاظ بمناطق تحت سيطرتها داخل غزة. ونتيجة لذلك استمرت الضربات العسكرية المتبادلة، وسقط مئات القتلى الفلسطينيين منذ بدء الهدنة، في وقت قتل جنود إسرائيليون في هجمات متفرقة داخل القطاع.
وفي لبنان، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، فوقف إطلاق النار الذي أعقب حرب عام 2024 لم يطبق بصورة كاملة، قبل أن تتجدد المواجهات مع اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وعلى الرغم من إعلان هدنة جديدة لمدة عشرة أيام في أبريل الماضي، استمرت العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني، فيما بقيت الخلافات السياسية والأمنية دون معالجة فعلية.
وعقّدت إيران المشهد اللبناني أكثر من خلال ربط أي تهدئة دائمة على الحدود اللبنانية بالتوصل إلى اتفاق أشمل ينهي المواجهة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أن رفض حزب الله الانسحاب من بعض المناطق الجنوبية أفشل حتى الآن محاولات تثبيت وقف إطلاق النار بصورة نهائية.
أما على صعيد المواجهة بين واشنطن وطهران، فقد أدى وقف إطلاق النار المعلن في أبريل/نيسان الماضي إلى تهدئة نسبية، لكنه لم ينجح في معالجة الملفات الجوهرية التي أشعلت الصراع، فالمفاوضات غير المباشرة بشأن البرنامج النووي الإيراني وإعادة فتح مضيق هرمز ورفع القيود الاقتصادية لم تحقق اختراقاً حاسماً، ما أبقى احتمالات التصعيد قائمة.
ويرى مراقبون أن القاسم المشترك بين هذه الهدن يتمثل في أنها عالجت النتائج العسكرية المباشرة للحروب دون أن تلامس أسبابها السياسية العميقة، فالأطراف المتصارعة وافقت على وقف إطلاق النار لتجنب مزيد من الخسائر أو لإعادة ترتيب أوضاعها، لكنها لم تبد استعداداً لتقديم التنازلات الضرورية لإنجاز تسويات دائمة.
وبحسب تقديرات خبراء، فإن غياب أفق سياسي واضح وضعف دور المؤسسات الدولية وتنامي اعتماد القوى الإقليمية على أدوات القوة العسكرية بدلاً من التسويات الدبلوماسية، كلها عوامل تجعل من الصعب الحفاظ على أي اتفاق طويل الأمد. كما أن بعض الأطراف تلجأ إلى اختبار حدود الهدن عبر عمليات عسكرية محدودة بهدف تحسين شروطها التفاوضية أو تحقيق أهداف عجزت عن انتزاعها على طاولة المفاوضات.
وفي ظل استمرار هذه المعطيات، تبدو اتفاقات وقف إطلاق النار التي رعتها إدارة ترامب أقرب إلى أدوات لإدارة الصراعات واحتواء تداعياتها، لا إلى حلول نهائية قادرة على إنهاء النزاعات المتشابكة التي تعصف بالشرق الأوسط، وهو ما يفسر استمرار العنف رغم تعدد الهدن وتكرار الإعلانات عن وقف القتال.






