إسلام آباد في دور الوساطة بين واشنطن وطهران
قال مسؤول إيراني كبير اليوم الخميس إن بلاده والولايات المتحدة أحرزتا بعض التقدم في مساعي التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب لكن بعد مرور أكثر من نصف مدة الهدنة الممتدة لأسبوعين، لا تزال هناك خلافات كبيرة لا سيما حول طموحات طهران النووية.
وأضاف المسؤول أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران أمس الأربعاء ساهمت في تقليص الخلافات في بعض المسائل مما عزز الآمال في تمديد وقف إطلاق النار واستئناف المحادثات بين طهران وواشنطن.
من جانبه قال متحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية اليوم الخميس إنه لم يتحدد بعد موعد للجولة الثانية من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران مضيفا أن المسألة النووية من بين القضايا التي يناقشها البلدان.
وفي ظل تصاعد المعركة على السرديات بين واشنطن وطهران، تتداخل العمليات العسكرية مع حرب إعلامية لا تقل حدّة، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم نفسه بوصفه الأقرب إلى تحقيق الحسم في صراع دخل أسبوعه السادس. ومع اقتراب الهدنة من نهايتها، يبرز تساؤل مركزي حول الجهة الأكثر رغبة في تثبيت اتفاق دائم، في وقت يبدو فيه أن الطرفين يوازنان بين إنهاء الحرب وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاستراتيجية.
وتشير تقديرات مراكز بحثية غربية، من بينها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إلى أن إيران تكبّدت خسائر عسكرية كبيرة خلال المواجهات، شملت تدمير جزء واسع من قدراتها الصاروخية ومنشآت إنتاج السلاح، إضافة إلى تراجع كبير في قدراتها البحرية. كما تفيد التحليلات ذاتها بمقتل عدد من القيادات العسكرية البارزة، وتعرض البنية التحتية لأضرار تتجاوز مئات المليارات من الدولارات، في وقت زاد فيه الضغط الاقتصادي نتيجة القيود المفروضة على حركة التجارة البحرية.
وفي المقابل، لم تكن التداعيات الاقتصادية والسياسية غائبة عن الجانب الأميركي، إذ أدت الاضطرابات في أسواق الطاقة إلى ارتفاعات ملحوظة في أسعار النفط، ما انعكس على الداخل الأميركي وفرض ضغوطاً متزايدة على صانع القرار لإنهاء المواجهة. كما تشير استطلاعات رأي إلى تحفظات شعبية على استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة، وهو ما يضيف بعداً داخلياً مؤثراً في صياغة موقف واشنطن.
ورغم تعثر جولة المفاوضات التي عقدت مؤخراً في العاصمة الباكستانية، فإن الخطاب الأميركي ما زال يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف الحوار، مع محاولات واضحة لإظهار أن طهران هي الطرف الأكثر استعجالاً للتوصل إلى اتفاق. وفي الوقت نفسه، برز تحول نسبي في النبرة الأميركية باتجاه تقليل حدة التصعيد اللفظي، بالتوازي مع تصريحات رئاسية تحدثت عن اقتراب نهاية الحرب، مقابل تأكيدات على حاجة إيران الملحة إلى تسوية.
وعلى الجانب الإيراني، تتمسك القيادة السياسية بخيار الجمع بين خفض التصعيد والحفاظ على الثوابت السيادية، حيث تؤكد طهران استعدادها لإنهاء الحرب ضمن شروطها، مع رفضها لما تصفه بمطالب غير واقعية. ويعكس هذا التوجه محاولة لإدارة الضغوط الخارجية دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الحساسة.
وفي خضم هذا التوازن المعقد، تبرز الوساطة الباكستانية بوصفها أحد المسارات النشطة لاحتواء التوتر، إذ تعمل إسلام آباد على تقريب وجهات النظر بين الطرفين، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية إقليمية أوسع تهدف إلى منع انهيار الهدنة. وتشير معطيات دبلوماسية إلى استمرار الاتصالات بين الأطراف المعنية، مع بحث إمكانية عقد جولة جديدة من المحادثات في حال تهيأت الظروف السياسية لذلك.
وتبقى القضايا الخلافية الكبرى، وفي مقدمتها ملف تخصيب اليورانيوم، العقبة الأبرز أمام أي اتفاق محتمل، إذ تختلف المقترحات جذرياً بين الطرفين بشأن مدة وتقييد هذا النشاط. كما تمتد نقاط التباين لتشمل ملفات إقليمية مرتبطة بنفوذ طهران في عدد من ساحات النزاع في الشرق الأوسط، وهو ما يضيف تعقيداً إضافياً على مسار التفاوض.
ورغم استمرار الخلافات، تتحدث مصادر دبلوماسية عن بعض المؤشرات الإيجابية، من بينها الحديث عن تفاهمات أولية لتمديد الهدنة بهدف منح الدبلوماسية مزيداً من الوقت، دون تأكيد رسمي حتى الآن.
في الأثناء، تتقاطع الحسابات العسكرية مع اعتبارات اقتصادية واستراتيجية أوسع، حيث تعتمد واشنطن على أدوات الضغط البحري والاقتصادي، فيما تراهن طهران على قدرتها على التأثير في أسواق الطاقة العالمية عبر الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ما يبقي المنطقة في حالة توتر مرشح للاستمرار بانتظار تسوية شاملة تعيد الاستقرار إلى مسار الصراع.



