تحقيقات

“قوات الفجر” ذراع عسكرية لـ”جماعة الإخوان”

من هي "قوات الفجر"؟


قوات الفجر وهي الفرع اللبناني في تنظيم “الإخوان المسلمين” على خط المناوشات الدائرة على الحدود اللبنانية مع إسرائيل، بل أيضا لوجود ذراع عسكرية لها. المفاجأة شملت كذلك الجسم التنظيمي للجماعة نفسها، إذ إن غالبية قياداتها لم تكن على بينة مما حصل، وقرأت البيان مثل الآخرين. وهو ما كانت له انعكاسات داخل أروقة الجماعة نفسها.

فمن هي “قوات الفجر”؟ ولمن تعود الإمرة عليها؟ كيف دخلت على خط المناوشات؟ وهل فعلا قامت بعمليات على الحدود الجنوبية، أم إن هناك من قام بالعمليات وتبنتها “الجماعة الإسلامية“؟

يعود الظهور الأول لـ”قوات الفجر” إلى عام 1982، عندما قام الجيش الإسرائيلي باجتياح لبنان وصولا إلى بيروت. آنذاك قامت تنظيمات من مشارب آيديولوجية مختلفة، من بينها “قوات الفجر” بعمليات عسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي. وذلك قبل ظهور “حزب الله” الذي عمل تدريجيا على حصر “المقاومة” بيده. وقد نصت “وثيقة الوفاق الوطني” عام 1989 التي أنهت الحرب الأهلية، على تسليم سلاح الميليشيات للدولة اللبنانية، فانسحبت كل الفرق والأذرع العسكرية للأحزاب إلى الظل ما خلا “حزب الله“.

مذاك لم يتداول اسم “قوات الفجر” إلا لماما. لكنها بقيت موجودة ضمن الهيكل التنظيمي للجماعة ولديها موازنتها الخاصة.

عندما انتخب عزام الأيوبي عام 2016 أمينا عاما لـ”الجماعة الإسلامية“، والذي يمثل التيار الإصلاحي الساعي للتخفف نسبيا من الإرث الآيديولوجي لـ”الإخوان المسلمين” والانفتاح على القوى السياسية المحلية، وكذلك على الدول العربية، عاد اسم الذراع العسكرية للجماعة للتداول، عندما اتخذ الأيوبي قرارا بإقالة قائد “قوات الفجر” خالد بديع وقيادات عسكرية أخرى. وأتى قرار الأيوبي بعدما اكتشف وجود شوائب مالية وتنظيمية في عمل الجهاز، بالإضافة إلى رفض تسليمه أي وثيقة رسمية حول المنتسبين وعددهم المقدر بنحو ألف عنصر، والإصرار على الحصول على حصة من الموازنة من دون تقديم أي بيانات توضيحية. وعيّن الأيوبي طلال الحجار من منطقة إقليم الخروب جنوبي بيروت قائدا جديدا للجهاز. 

لكن جميع المعزولين رفضوا تنفيذ القرار  وأصروا على الاستمرار في مواقعهم، حتى لو أدى ذلك إلى حدوث انشقاقات في الجماعة، مما اضطر الأمين العام الجديد للتراجع عن قراره. ومذاك انقسمت الذراع العسكرية للجماعة إلى قسمين، ولا سيما أن العصبية المناطقية تلعب دورا لا يستهان به في البنية الداخلية للأحزاب والتنظيمات في لبنان. 

وأصبح هناك قسم يقوده خالد بديع ويتبع له أفراد “قوات الفجر” في صيدا (مسقط رأس بديع) وطرابلس وعكار، وقسم آخر بقيادة الحجار يتبع له الأعضاء من الإقليم ومناطق الكثافة السنية في ساحل جبل لبنان والبقاع.

تركيا وقطر

وكان هذا الانقسام يجري على وقع انقسام آخر داخل الأطر القيادية للجماعة بين خطين سياسيين: واحد موال لتركيا وقطر، والآخر يريد التحالف مع “حزب الله” و”محور الممانعة”. وقد تزعم الخط الأول عزام الأيوبي وقيادات أخرى مثل النائب الحالي والوحيد للجماعة عماد الحوت. فيما كانت بصمات حركة “حماس” واضحة في الخط الثاني، وغالبية وجوهه من القيادات الأمنية أو العسكرية. 
والجدير ذكره أن للجماعة جهازا أمنيا غير “قوات الفجر”، تنحصر مهمته بالتنسيق مع الأجهزة العسكرية والأمنية اللبنانية، من ضمن العادات السياسية اللبنانية والتي تقضي بضرورة وجود حلقات تنسيق بين أي حزب أو تنظيم والأجهزة الأمنية، نظرا لتداخل العمل السياسي بالأمني خاصة في الحالة الإسلامية. فمن المعروف أن لبنان شهد نشاطا بارزا لبعض الحركات الإسلامية المتطرفة، والتي عملت على تجنيد شبان للقتال في سوريا والعراق.

بالتوازي مع صعود قيادات جديدة في “حماس” مثل رئيس الحركة في غزة يحيى السنوار ونائب رئيس المكتب السياسي صالح العاروري بعد استبعاد الرئيس السابق للحركة في الخارج خالد مشعل من القرار، كان يجري صراع مماثل داخل “الجماعة الإسلامية” في لبنان. 
فـ”حماس” تمتلك تأثيرا كبيرا داخل الجسم التنظيمي للجماعة، إذ يتقاضى عشرات الأعضاء المنظمين في الأخيرة مخصصات مالية منها، نظرا لملاءتها المالية وقدراتها التي تتيح لها احتواء العشرات ضمن شبكة منظماتها الخيرية والإنسانية. 

من جهته، دعم “حزب الله” هذا الصراع وغذاه من أجل تدعيم تحالف الجماعة مع “حماس”، ولاسيما بعدما أدت الانتخابات الداخلية للحركة في أغسطس/آب 2021 إلى تثبيت الفريق المؤيد للتحالف مع “محور الممانعة”، وبخاصة صالح العاروري المقيم في لبنان والذي تولى هندسة الانتخابات الداخلية لـ”الجماعة الإسلامية” بالتنسيق مع “حزب الله“.

بسط يد “حماس”

وبالفعل نجح العاروري في إيصال مجلس شورى ومكتب سياسي للجماعة يدوران في فلك “حماس” ويؤيدان خياراتها. إذ انتخب الشيخ محمد طقوش في أغسطس/آب 2022، أمينا عاما للجماعة على اعتبار أنه شخصية محايدة وغير مسيسة. لكن مصادر داخل الجماعة تتحدث عن أن الأخير مؤيد لخيارات “حماس“، حتى إنه يتقاضى مخصصات مالية منها.

ليس ذلك وحسب، بل إن مصادر قيادية رفيعة في الجماعة كشفت عن نفاد “حماس” إلى الصراع داخل “قوات الفجر”، عبر دعم مجموعة ثالثة يقودها عمر الكعكي من بيروت، وتتبع له عناصر من المدينة، وكذلك من القرى والبلدات الحدودية ذات الكثافة السنية، حيث إن لـ”الجماعة الإسلامية” حضورا بارزا على جميع الصعد الخدماتية والتربوية والصحية. 

وهذه المجموعة تتلقى تمويلا مباشرا من “حماس” عبر صالح العاروري وتتحرك بأوامر منه وليس للجماعة دالة عليها. وحسب المعلومات المستقاة من مصادر أمنية ومن داخل الجماعة، وأخرى مقربة من “حزب الله“، فإن هذه المجموعة تلقت ولا تزال تدريبات عسكرية مكثفة على يد الأخير.

كانت الانتخابات الداخلية الأخيرة لـ”الجماعة الإسلامية” نقطة تحول كبرى في نهجها السياسي. فمذاك وهي تقترب رويدا رويدا من “حزب الله“، حيث تكثفت الاجتماعات التنسيقية بينهما في السر والعلن. 

وبالرغم من أن الجماعة ليس لها سوى نائب واحد في البرلمان، إلا أنها تعد من أقدم التنظيمات السياسية السنية، ولديها حضور في مناطق الكثافة السنية كلها. وكان أمينها العام الأسبق عزام الأيوبي قاب قوسين أو أدنى من الحصول على مقعد برلماني ثان في مدينة طرابلس، أكبر الحواضر السنية في لبنان، وهذا فضلا عن دورها في دعم مرشحين في مناطق أخرى.
ولكون “حزب الله” يبحث في السنوات الأخيرة عن إقامة مصالحة معنوية مع السنة، نخبا وجمهورا، بعدما استشرت عداوته في صفوفهم عقب تدخله العسكري في الحرب السورية، فإنه سعى لتطويع “الجماعة الإسلامية” لعلها تساعده في تحقيق هدفه، مستغلا حالة الهشاشة السياسية عند السنة في الآونة الأخيرة، وعدم ظهور زعامات تستطيع استقطاب الجمهور. وهذا بالإضافة إلى استخدامه الجماعة كواجهة سنية عند الضرورة، تطبيقا لشعار “وحدة الساحات”. 

وقد فرضت هذه الضرورة نفسها بعد عملية “طوفان الأقصى”، إذ أفسح “حزب الله“، المسيطر بالكامل على المنطقة الحدودية مع إسرائيل، أفسح المجال لحركتي “حماس“، و”الجهاد الإسلامي”، لتنفيذ عمليات تسلل إلى الجانب الآخر من الحدود، وإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل. 
لكن الظهور العلني لـ”كتائب القسام” الذراع العسكرية لـ”حماس“، و”سرايا القدس” الذراع العسكرية لـ”لجهاد الإسلامي” على الأراضي اللبنانية كان له وقع سيئ على الساحة السياسية، وبخاصة عند الأطراف المسيحية التي عادت بها الذاكرة إلى “اتفاق القاهرة” الموقع بين “منظمة التحرير الفلسطينية” والدولة اللبنانية عام 1969، وما أنتجه من انتشار فلسطيني مسلح في الجنوب ومناطق أخرى كان أحد أسباب اندلاع الحرب الأهلية.

لذا قام العاروري بالاستعانة بمجموعته داخل “قوات الفجر”، لتنفيذ عمليات على الحدود مع إسرائيل، بموافقة “حزب الله” الذي أراد تقديم واجهة لبنانية سنية لـ”المقاومة”، فأسبغ حمايته على تلك المجموعة لمنع الجيش من توقيف مسلحيها كما حصل سابقا، وذلك وفق ما أسرت به لـ”المجلة” مصادر داخل الجماعة؛ ففي أغسطس/آب الماضي، أوقفت استخبارات الجيش اللبناني ثلاثة عناصر ينتمون لـ”قوات الفجر” عندما كانوا يعدون منصات لإطلاق صواريخ نحو المستوطنات الإسرائيلية. وبالرغم من أن “الجماعة الإسلامية” حاولت التكتم على القضية حينها، إلا أنها تسربت للإعلام ما تسبب لها بحرج كبير. فخرجت ببيان رسمي ينتقد الجدل الإعلامي الدائر من دون تكذيب الحادثة. 
وحسب المصادر نفسها، فإن العمليات الثلاث التي أعلنت “قوات الفجر” عنها كانت عمليا من تنفيذ “كتائب القسام”، بالاشتراك مع “مجموعة العاروري” داخل الجماعة. وتدعم المصادر روايتها بالإشارة إلى عدم نشر أي صور أو فيديوهات لتلك العمليات مثلما تفعل “حماس” أو “حزب الله“. 

وعندما طلب بعض قيادات الجماعة من أمينها العام محمد طقوش صورا أو فيديوهات لتقديمها للجمهور، رد الأخير بأن الوقت غير مناسب. وطقوش كان القيادي الوحيد تقريبا الذي أحيط علما بما ستقوم به “قوات الفجر”، أو بما سينسب لها.

مع توالي صدور البيانات عن إطلاق “قوات الفجر” للصواريخ، شهدت الأروقة التنظيمية داخل الجماعة نقاشات حادة، ولا سيما أن قرارا من هذا النوع يحتاج إلى موافقة من المكتب العام وتصويت ملزم من مجلس الشورى، وهو ما لم يحصل. 

لذلك اعتبر ما جرى مخالفة داخلية لحسابات ترتبط بعلاقة القيادة الحالية مع “محور الممانعة”. وأوضحت المصادر أن الرأي المعارض داخل الجماعة يعتبر أن إطلاق الصواريخ لا يغير شيئا في المعادلة السياسية والعسكرية، وأنه كان يجب الاحتفاظ بالجهوزية إذا حدث اجتياح بري للأراضي اللبنانية. أما أن تظهر “الجماعة الإسلامية” وكأنها غطاء سني لـ”حزب الله” فهذا ما سيكون له انعكاسات سلبية على الموقف السني بشكل عام، وسيجعل الجماعة عرضة للانتقادات داخليا وخارجيا.

انزعاج إقليمي؟

 

وبالفعل فقد أبدت أطراف إقليمية، بحسب المصادر، انزعاجها من ظهور “قوات الفجر” في الميدان، ولذلك يلاحظ توقف عملياتها واقتصارها على ثلاث. علاوة على أن الغطاء المحلي لـ”كتائب القسام” لم يكن ذا جدوى، بل أدى إلى حصول ردة فعل سلبية داخل الأوساط السنية، على اعتبار أن “حزب الله” يسمح بنشوء ميليشيا سنية سيستخدمها لاحقا من أجل فرض وقائع سياسية على معارضيه.

وما زاد الطين بلة تصريحات طقوش ورئيس المكتب السياسي للجماعة علي أبو ياسين، حول إعلان التعبئة العامة بما يشبه إعلان الجهاد، وفتح باب التطوع في “قوات الفجر”.

وحسب المعلومات، تجري في الكواليس اتصالات بين نوب ووزراء سنة حاليين وسابقين للخروج بموقف موحد من أجل رفض المسار الميليشياوي الذي يتم التحضير له عبر زج السنة في أتون التسلح وأعمال العنف.

ويُعتبر النائب عن “الجماعة الإسلامية” عماد الحوت من أشد المعارضين لما يحصل، وكذلك عزام الأيوبي وقيادات أخرى بارزة. لكنهم جميعا يحرصون على إبقاء الخلافات في الأروقة الداخلية للجماعة، وإن كان الضيق بدا واضحا على محيا الحوت في إطلالاته الإعلامية الأخيرة.

لقد أظهرت الأحداث الأخيرة حجم نفوذ “حماس” داخل “الجماعة الإسلامية” في لبنان. فما هو الدور المفترض للجماعة بعد الحرب وما حدوده؟ هذا سؤال يطرح الآن ضمن الأوساط السنية في لبنان.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى