ملف خلافة المرشد يفتح معركة نفوذ داخل الجماعة
شهور معدودة وتنتهي المدة القانونية لشغل صلاح عبد الحق منصب القائم بعمل مرشد جماعة الإخوان الإرهابية- جبهة لندن، إلا أن الصراع حول المنصب اندلع مبكرًا بين قيادات الجبهة الذين يسعون للسيطرة على الجماعة في الوقت الراهن.
ويتصارع على خلافة القائم بعمل المرشد في جبهة لندن 3 من كبار قادة الجماعة، وهم محمود الإبياري، الأمين العام للتنظيم الدولي ومسؤول قطاع أوروبا بالتنظيم، ومحيي الدين الزايط، نائب صلاح عبد الحق حاليًا وعضو مجلس الشورى العام للجماعة، وحلمي الجزار، رئيس القسم السياسي للجماعة ونائب رئيس الهيئة الإدارية العاملة كبديل لمكتب الإرشاد حاليًا.
وتولى صلاح عبد الحق، منصب القائم بعمل المرشد في 4 ديسمبر/كانون الأول 2022، عقب وفاة سلفه إبراهيم منير الذي تولى منصبه بعد القبض على محمود عزت، القائم بعمل مرشد الإخوان الذي استمر في منصبه لمدة 7 سنوات بعد الإطاحة بالجماعة من الحكم في مصر عام 2013 وتوقيف المرشد محمد بديع على ذمة قضايا عنف وإرهاب.
وأجرت جماعة الإخوان- جبهة لندن انتخابات داخلية سريعة خلال 30 يومًا من وفاة القائم بعمل المرشد السابق إبراهيم منير، لاختيار قائم جديد بعمل المرشد لا سيما أن وفاته جاءت في ظل انقسام هيكلي ضرب صفوف الجماعة وشقها إلى جبهات أبرزها جبهة لندن وجبهة إسطنبول التي يترأسها محمود حسين، الأمين العام السابق للإخوان وعضو مكتب الإرشاد الوحيد المتبقي خارج السجن، والذي سعى للسيطرة على الجماعة بعد أن اختارته الجبهة الأخيرة قائمًا بعمل المرشد لها بعد وفاة إبراهيم منير.
رجال التنظيم الدولي في مواجهة التنظيم المصري
وعلى وقع التنافس الحالي داخل الإخوان، سعى كل من محمود الإبياري ومحيي الدين الزايط بدعم موقفيهما بالدفع بقيادات إخوانية لشغل مناصب تنفيذية داخل اللجان المختلفة داخل الإخوان، ليشكلوا مجموعة ضغط ترجح كفة القائم القادم بعمل المرشد.
وأسفرت الانتخابات الداخلية لجبهة لندن عن اختيار صلاح عبد الحق قائمًا بعمل المرشد، وكان في هذه الفترة اسمًا غير معروف لكثير من أعضاء الجماعة لأنه انزوى طوال سنوات داخل جهاز التربية العالمي، أحد الكيانات التابعة للتنظيم الدولي للإخوان، ومارس فيه العمل الدعوي والتربوي دون انخراط في العمل السياسي، بيد أن اختياره خالف اللائحة الداخلية للجماعة التي تنص على اختيار المرشد أو القائم بعمله من أعضاء مجلس الشورى العام.
ولجأ القائمون على جبهة لندن ولا سيما محيي الدين الزايط، وحلمي الجزار، ومحمد الدسوقي عضو مجلس الشورى العام، إلى الدفع بصلاح عبد الحق حتى يكون اختيارًا توافقيًا تتوحد من خلفه جماعة الإخوان بعد رحيل إبراهيم منير في خضم الانقسام الداخلي للجماعة والصراع حول قيادتها.
وفي نهاية المطاف، توافقت جماعة الإخوان- جبهة لندن على صلاح عبدالحق قائمًا بعمل المرشد، في ديسمبر/كانون الأول 2022، وتأخر الإعلان 3 أشهر حتى مارس/آذار 2023 حين أعلنت عن اسمه بعد انتهاء ترتيبات تتعلق بانتقاله بين دولتين واستقراره في دولة إقليمية داعمة للجماعة.
من ناحية أخرى، شهدت فترة تولي صلاح عبد الحق منصب القائم بعمل المرشد سلسلة من الأزمات والخلافات الداخلية في جبهة لندن بسبب صراع قادتها على النفوذ والسيطرة على الجماعة، وبسبب هذه الخلافات لوح صلاح عبد الحق بالاستقالة من منصبه إلا أن قادة الجبهة وعلى رأسهم محيي الدين الزايط وحلمي الجزار أقنعاه بالبقاء حتى نهاية مدته التي تنتهي رسميًا في ديسمبر/كانون الأول 2026، بحسب المصادر.
وأشارت المصادر في حديثها لـ”العين الإخبارية” إلى أن القائم بعمل مرشد الإخوان صلاح عبد الحق أجرى عملية جراحية مطلع العام الجاري ونصحه أطباءه بالتوقف عن العمل العام أو أي عمل يتطلب مجهودا بدنيا وذهنيا، فضلًا عن أنه يعاني من العديد من أمراض الشيخوخة لكبر سنه إذ يبلغ من العمر 81 عامًا.
ومن المقرر، حسبما ذكرت المصادر للعين الإخبارية، أن يتم إجراء انتخابات تنظيمية داخلية في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الجاري من أجل اختيار قائم جديد بعمل المرشد، فيما أبلغ صلاح عبد الحق أعضاء الهيئة الإدارية العليا، البديلة لمكتب الإرشاد، أنه لا ينوي الترشح للمنصب مرة ثانية.
وفي هذه الأثناء، يعمل الثلاثة الكبار داخل جماعة الإخوان- جبهة لندن على الاستعداد للمرحلة التالية لصلاح عبد الحق، إذ زادت وتيرة الاستقطابات والتحزبات داخل الجماعة، في الوقت الحالي، بين محمود الإبياري الأمين العام للتنظيم الدولي ورفيق درب القائم بعمل المرشد السابق إبراهيم منير، والذي يرى في نفسه الصلاحية لخلافة صلاح عبدالحق، باعتباره الأمين العام للتنظيم الدولي والرجل الثاني بعد صلاح عبد الحق في التنظيم الدولي للإخوان.
أما محي الدين الزايط، نائب رئيس الهيئة الإدارية العليا والذي يشغل منصب نائب صلاح عبد الحق بحكم موقعه التنظيمي، فيرى أحقيته في قيادة الجماعة، باعتباره نائبا له في قيادة التنظيم المصري، كما أوضحت المصادر لـ”العين الإخبارية”.
ويجادل محيي الدين الزايط بأن منافسه محمود الإبياري لا يجوز له الترشح لشغل منصب القائم بعمل المرشد وذلك لأنه اختير كممثل لإخوان أوروبا في التنظيم الدولي بحكم جنسيته النمساوية، وبذلك يصبح من حيث الناحية اللائحية القانونية “أوروبيا” داخل التنظيم الدولي وليس مصريًا رغم أن جنسيته الأصلية مصرية، واللائحة الداخلية للإخوان تنص على أن من يتولى منصب المرشد أو القائم بعمله لا بد أن يكون من “إخوان مصر”، أي من التنظيم المصري وليس من أي قُطر أو دولة أخرى.
وبدوره، فإن محمود الإبياري يعتبر أن الفترة الحالية والظروف التي فرضتها على الجماعة دفعتها لتجاوز اللائحة التقليدية القديمة، وهو ما حصل في عملية اختيار صلاح عبدالحق قائمًا بعمل المرشد رغم أنه ليس عضوًا بمجلس الشورى العام، ومن ثم فإنه أجدر الآن بخلافة صلاح عبد الحق لأن لديه خبرة تنظيمية وتنفيذية واسعة تؤهله للمنصب كما أنه مصري الجنسية بالأساس وإن اختير ممثلا لقطاع أوروبا في التنظيم الدولي بحكم الأدوار التنظيمية التي لعبها طوال عقود.
وفي ظل التنافس بين محمود الإبياري ومحيي الدين الزايط، يطمح الرجل القوي في الجماعة حلمي الجزار إلى حدوث توافق تنظيمي حول اختياره قائمًا بعمل المرشد ليخلف صلاح عبد الحق، دون أن يُعلن حتى الآن نيته الترشح للمنصب لأنه يريد أن يكون مطلوبًا في المنصب لا طالبًا له أمام أعضاء الجماعة، أما في حال فشل التوافق حول شخصه فإنه سيدعم محيي الدين الزايط ليتولى هو المنصب.
وأكدت المصادر لـ”العين الإخبارية” أن حلمي الجزار سينحاز لمحيي الدين الزايط على حساب محمود الإبياري لأسباب منها أن الزايط سيمثل استمرارًا للوضع الحالي والتوازنات الموجودة في الجماعة حاليًا وسيظل “الجزار” المتحكم الفعلي بغالبية الأمور داخل الإخوان إذ وصل محيي الدين الزايط للمنصب، أما في حال تولى محمود الإبياري المنصب فإنه لن يقبل بأن يكون مجرد واجهة، كما هو الحال مع صلاح عبد الحق، ولن يرضى سوى بفرض سيطرته الكاملة على الجماعة.
فمحمود الإبياري استبق انتخابات القائم بعمل المرشد بالصدام مع مسؤول رابطة الإخوان المصريين بالخارج السعدني أحمد واستطاع انتزاع ملفات تنظيمية للرابطة منه، ودعم وصول محمد سودان، مسؤول العلاقات الخارجية للإخوان، إلى منصب تنفيذي جديد داخل الجماعة، ويُعول كذلك على علاقته الوثيقة بأنس التكريتي، الرئيس السابق لمؤسسة قرطبة الإخوانية والقيادي البارز بالتنظيم الدولي للجماعة الذي تربطه علاقات قوية بمراقبي الإخوان في مختلف الدول وخاصة الأردن ولبنان وسوريا، ولديه نفوذ تنظيمي واسع نظرًا للمناصب الكثيرة التي شغلها في إطار التنظيم الدولي.
أما محيي الدين الزايط فيراهن على مكانته المحورية في التنظيم المصري لجماعة الإخوان باعتباره قياديًا يحظى بالقبول لدى قادة التنظيم المصري وقيادات الإخوان في السجون خاصةً أنه من مجموعة أو مكتب “إخوان شرق القاهرة” الذين سيطروا على مقاليد الأمور داخل جماعة الإخوان طوال عقود.
وبالتوازي مع هذه التطورات، طرح محمود حسين، القائم بعمل مرشد الإخوان في جبهة إسطنبول (الغريم التقليدي لجبهة لندن)، مبادرة جديدة تهدف لإنهاء الانقسام الإخواني الحاصل وإعادة توحيد الجماعة، وهذه المبادرة نقلها وسطاء إلى قادة جبهة لندن أبرزهم القيادي الإخواني عبد الرزاق مقري.
وتنص المبادرة على إنهاء الانقسام وتولي صلاح عبد الحق منصب القائم بعمل المرشد على أن يكون محمود حسين نائبًا له ويتولى المنصب فور انتهاء مدة “عبد الحق” في منصبه الحالي أو في حال وفاته، وذلك وفق المصادر.
ولم تستبعد المصادر أن تضغط قيادة جبهة لندن ولا سيما حلمي الجزار ومجموعة القسم السياسي للإخوان على صلاح عبد الحق ليبقى في منصبه مؤقتًا بحيث يكون الاستمرار في المنصب اسميًا ولا يمارس المهام التنظيمية التي يتعذر ممارستها بسبب وضعه الصحي، كي لا تتشظى الجماعة أو تنقسم من جديد بسبب الصراع على خلافته.







