سياسة

التعليم في زمن الحرب: أوكرانيا تعيد تشكيل مدارسها لمهارات النجاة


مع غياب أي مؤشرات على انتهاء الحرب الأوكرانية، تعمل كييف على تدريب أطفالها على الحرب، ليس للقتال أو حتى للدفاع، بل من أجل البقاء.

فحصص «الدفاع عن أوكرانيا» أصبحت جزءًا أساسيًا من المنهج الوطني للطلاب بدءًا من سن الخامسة عشرة، وهي مصممة لتقديم مهارات مثل تشغيل الطائرات المسيّرة، واستخدام البنادق، والإسعافات الأولية، ومواجهة «حرب المعلومات» الروسية.

ورافقت صحيفة «التليغراف» الطلاب في إحدى مدارس وسط كييف خلال يوم دراسي كامل لحضور الحصة التي تستمر ثماني ساعات وتُعقد مرة واحدة شهريًا.

كان طلاب الصفين الحادي عشر والثاني عشر يجلسون على أطراف الملجأ مرتدين نظارات داكنة وخوذًا عسكرية خضراء، يتبادلون الضحكات أحيانًا ويتصفحون تطبيق «تيك توك»، لكن عندما يحين وقت التدريب على الرماية يتحول تركيزهم إلى أقصى درجات الجدية.

وقال ميكيتا، بينما كان يجمع أجزاء بندقية فوق طاولة رمادية معقمة: «أمارس الرماية منذ كنت في السادسة من عمري. كان والدي يصطحبني للصيد عندما كان السلام لا يزال قائمًا في أوكرانيا. لذلك أعرف أنه إذا اضطررت يومًا إلى استخدام السلاح، فسأفعل».

مدارس أوكرانيا تُدرب جيل الحرب.. البقاء قبل القتال (صور) - صورة 1

وأضاف: «لكنني نفسيًا غير مستعد لاستخدامه ضد إنسان. لا يمكن للناس أن يكونوا مستعدين لإطلاق النار على أشخاص آخرين».

وتحيط بالطلاب تذكيرات دائمة بحجم الرهانات. ففي بهو المدرسة الواسع تتصدر جدارًا تذكاريًا صور أربعة شبان بالأبيض والأسود.

دميترو كاربينكو، وإيغور فويفودين، وييفهين أوستابينكو، وكيريلو سيرهيينكو، كانوا جميعًا طلابًا في هذه المدرسة. وقد لقوا حتفهم على الجبهة أثناء قتال القوات الروسية. وكان أصغرهم يبلغ 21 عامًا فقط.

وتُدرّس مادة «الدفاع عن أوكرانيا» – وإن كانت بأسماء مختلفة – ضمن المناهج الأوكرانية منذ الحقبة السوفياتية، لكنها قبل الحرب الأوكرانية، كانت تُعد بقايا قديمة هدفها الأساسي فرض الانضباط.

في ذلك الوقت، كان التدريب العسكري مقتصرًا على الذكور، بينما كانت الفتيات يدرسن الإسعافات الأولية والطب. أما اليوم فلا يوجد أي تمييز بين الجنسين.

مدارس أوكرانيا تُدرب جيل الحرب.. البقاء قبل القتال (صور) - صورة 2

وفي المقابل، تمتلك المدارس الروسية حصصًا مشابهة تحت عنوان «الدفاع عن الوطن»، إلا أن الفارق بين النموذجين شاسع للغاية.

ففي روسيا، يتلقى أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم ست سنوات تدريبًا أسبوعيًا على أداء أدوار مشغلي الطائرات المسيّرة وخبراء المتفجرات وقوات الاقتحام، ضمن حصص مدرسية إلزامية ومنظمات شبابية تمولها الدولة ومعسكرات ذات طابع عسكري ووطني.

وقال متحدث باسم وزارة التعليم الأوكرانية لصحيفة «التليغراف»: «يهدف النموذج الروسي إلى التنشئة العسكرية المبكرة للأطفال وتعزيز استعدادهم لخدمة الدولة من خلال تمجيد الجيش والحرب والطاعة».

ويعرف بعض طلاب مدرسة كييف آثار الحرب. فهناك نحو 30 طالبًا من النازحين داخليًا فقدوا منازلهم مع تقدم القوات الروسية في دونباس ومناطق خيرسون وخاركيف وميكولايف وزابوريجيا.

مدارس أوكرانيا تُدرب جيل الحرب.. البقاء قبل القتال (صور) - صورة 3

أما أبناء كييف، فما زال كثير منهم يتذكرون سيطرة روسيا على مناطقهم. كما يحفظ الجميع أصوات الهجمات الليلية الروسية؛ أزيز طائرات «شاهد» المسيّرة وانفجارات الصواريخ.

وتؤكد وزارة التعليم الأوكرانية أن الهدف مختلف تمامًا عن النموذج الروسي: «نحن لا نعلّم الأطفال كيف يشنون الحروب، بل نعلّمهم كيف يستعدون لتحديات الحياة الواقعية».

وأضافت: «النموذج الأوكراني يهيئ الشاب للعيش في دولة حرة تعرف كيف تدافع عن نفسها».

وقال مدير المدرسة أوليكسندر أرتيمينكو، وهو محارب قديم، للصحيفة: «نحن على أعتاب حرب عالمية ثالثة. وقد نظل في حالة حرب بعد خمسين عامًا».

مدارس أوكرانيا تُدرب جيل الحرب.. البقاء قبل القتال (صور) - صورة 4

وكان جميع الطلاب، من المراهقين إلى أطفال المرحلة الابتدائية، يحيونه بعبارة «صباح الخير» كلما مرّ بجوارهم.

أرتيمينكو رجل طويل القامة، ذو عينين زرقاوين باردتين، ويرتدي زيًا عسكريًا. ويخفي هدوؤه رحلة صعبة من التأقلم مع الحياة المدنية منذ توليه إدارة المدرسة في سبتمبر الماضي.

وكان يعمل مدرسًا للغة الإنجليزية قبل أن يتطوع للانضمام إلى الجيش في اليوم الأول للعملية العسكرية الروسية. وقال: «مع سماع أول صاروخ، جهزت حقيبتي. لم أحتج حتى إلى التفكير».

ودافع الرجل البالغ من العمر 46 عامًا عن مدينته كييف قبل أن يُرسل إلى دونباس ضمن اللواء الميكانيكي الثلاثين. وفي عام 2024 أصيب بجروح خطيرة بسبب لغم، لكنه واصل الدفاع عن موقعه تسع ساعات متواصلة حتى تم إجلاؤه.

مدارس أوكرانيا تُدرب جيل الحرب.. البقاء قبل القتال (صور) - صورة 5

ويحتفظ في مكتبه بصور لوحدته العسكرية وعلم يحمل توقيعات أفرادها، في محاولة للجمع بين ذكريات خدمته العسكرية وحياته الجديدة بعيدًا عن الجبهة. وقال بهدوء: «قد يحاول عقلك حمايتك، لكن الجيش لا يغادرك حقًا أبدًا».

ولهذا يؤكد أن هذه الحصص لا تهدف إلى دفع الأطفال نحو التجنيد أو تمجيد الخدمة العسكرية: «بعضهم سيصبح أطباء، وآخرون معلمين أو أصحاب مهن أخرى، لكنهم جميعًا يحتاجون إلى هذه المهارات. نحن نعلّمهم كيف ينجون».

وأضاف: «الذين ينجون هم أولئك المستعدون نفسيًا. يمكنك أن تمتلك أفضل تدريب في العالم، لكن إذا لم تكن مستعدًا نفسيًا فستموت».

مدارس أوكرانيا تُدرب جيل الحرب.. البقاء قبل القتال (صور) - صورة 6

وفي قاعة تدريب ذات أرضية إسفنجية ملونة، وزع مدرب حقائب إسعافات أولية قابلة لإعادة الاستخدام، وقسم الطلاب إلى أزواج لتعلم كيفية التعامل مع النزيف الحاد وإنعاش القلب والرئتين.

ومازح ليونيد (17 عامًا) زميله قائلاً: «في الحياة الواقعية كنت سأموت مرتين!» بينما كان يحاول تثبيت رباطين ضاغطين حول ذراعه وساقه.

وأصبحت الإسعافات الأولية، أكثر من تدريبات الأسلحة والطائرات المسيّرة، المادة المفضلة لدى كثير من الطلاب.

وقال ليونيد: «إنها تعلمك كيف تنقذ الأرواح. لا تعرف أبدًا متى قد تحتاج إليها»، قبل أن يتوقف قليلًا ويضيف: «رغم أنني آمل ألا أضطر لاستخدامها أبدًا».

لكن هذا الاحتمال حاضر دائمًا. فمع تساقط الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية على المباني السكنية ليلًا، قد يجد أي شخص نفسه مطالبًا بالتدخل في أي لحظة.

وقبل أسبوعين، عندما دمر صاروخ مبنى سكنيًا في حي دارنيتسكي بكييف، كان إيفان زاخارتشوك (18 عامًا) من أوائل من وصلوا للمساعدة إلى جانب فرق الإنقاذ. وتمكن من إنقاذ امرأة كانت تحترق بين الأنقاض، بينما قُتلت ابنتها البالغة 14 عامًا.

وقالت تاتيانا (16 عامًا)، أثناء تدريبها على الإنعاش القلبي باستخدام دمية تعليمية: «في الصف يبدو الأمر ممتعًا، لكننا ندرك أنه قد يصبح موقفًا حقيقيًا في حياتنا. أفكر كثيرًا في أنني قد أحتاج هذه المعرفة لمساعدة شخص ما في المستقبل».

مدارس أوكرانيا تُدرب جيل الحرب.. البقاء قبل القتال (صور) - صورة 7

وبعض الأخطار أكثر إلحاحًا من غيرها. ففي حصص «حرب المعلومات»، يتعلم الطلاب كيفية كشف محاولات التجنيد والتأثير الروسية عبر الإنترنت، من خلال تطبيقات مثل «تليغرام» و«تيك توك» وحتى منصات الألعاب مثل «روبلوكس».

ويُطلب من الطلاب التمييز بين الأخبار «الزائفة» و«التلاعبية»؛ فالأولى تهدف إلى الخداع المباشر، بينما تسعى الثانية إلى تغيير الإدراك بصورة أكثر خفاءً.

ثم يستخدمون هواتفهم للبحث عن أمثلة حقيقية عبر الإنترنت. ويرى المعلمون أن تعريض الطلاب لجرعات محدودة من المعلومات المضللة المعادية يشبه عملية «التطعيم» ضد التضليل.

وليس الإنترنت وحده ساحة الحرب الحديثة. فهناك أيضًا الطائرات المسيّرة الصغيرة التي تحلق بعشرات الآلاف قرب خطوط التماس، وتتسبب بمعظم الخسائر البشرية في ساحات القتال.

وفي طرف القاعة الرئيسية للمدرسة، كان مدرب الطائرات المسيّرة فيكتور هومينيوك يوجه طائرة «مافيك» رباعية المراوح إلى الجو.

وقال: «هذه الطائرة مزودة بنظام تثبيت يجعلها قادرة على التحليق في مكانها دون تدخل كبير»، قبل أن يسلم جهاز التحكم إلى أحد الطلاب.

ولم يكن المدرس البالغ من العمر 24 عامًا أكبر بكثير من طلابه. فقد التحق بالجيش في سن العشرين مع بداية العملية العسكرية في أوكرانيا، وسُرح مؤخرًا من الخدمة. وقال: «لم أتخيل يومًا أن أصبح جنديًا، لكنني لا أحتمل أن يدخل أحد إلى منزلي ويأخذ ما هو لي».

أما أولينا (15 عامًا)، فقد كانت تقود ببراعة طائرة تدريب من نوع «FPV» باستخدام نظارات الواقع الافتراضي، لكنها أكدت أنها لا ترغب أبدًا في استخدام هذه المهارة في الحرب. وقالت: «أفضل تدريب الإسعافات الأولية، لأنه مفيد في الحياة، وليس فقط في زمن الحرب».

وفي الجهة الأخرى من القاعة، اصطدمت طائرة تدريب أخرى بالجدران مرتين قبل أن تسقط في إحدى الأصص النباتية، بينما ملأ صوتها الحاد المكان، وهو صوت مألوف لكل من أمضى وقتًا قرب الجبهة.

وقال هومينيوك إن الهدف من حصص «الدفاع عن أوكرانيا» هو تعليم الأطفال أن «على كل واحد منا أن يفعل كل ما يستطيع للحفاظ على استقلال بلاده والدفاع عنها، وتنمية روحه الوطنية، وتعليم الجيل القادم حب الوطن أيضًا».

وعندما سُئل عن الرسالة الأهم التي يريد أن يحملها طلابه معهم، أجاب بكلمتين مقتضبتين: «لا تتردد أبدًا».

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى