كشف جديد يثير الجدل في تونس.. شبكة داخلية معقدة تُنسب للإخوان
جهاز بمثابة ذراع استخباراتية موازية تعمل على التجسس على الخصوم والمستهدفين عبر فروع متخصصة من جمع المصادر إلى الشائعات والبيانات.
«الجهاز السري» لإخوان تونس، ملف بالغ التعقيد حسمه القضاء مؤخرا بأحكام ثقيلة طالت قيادات من الصف الأول في حركة النهضة، بينهم زعيم الحركة راشد الغنوشي، ووزير الداخلية الأسبق علي العريض وغيرهم.
لكن، ورغم الأحكام القضائية الصادرة في القضية، إلا أن أصواتا لا تزال تتعالى في تونس، تطالب بمحاسبة أطراف أخرى على صلة بالموضوع، وخصوصا طلب تسليم مدانين في القضية من الهاربين خارج البلاد (11 مدانا).
أخطبوط
كشفت المحامية التونسية إيمان قزارة، عضوة «هيئة الدفاع عن السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي» (اغتيلا في 2013)، عن هيكل تنظيمي لـ«الجهاز السري» للإخوان.
وتقول قزازة، على هامش مؤتمر صحفي نظمته الهيئة التي تضم مجموعة من المحامين، بالعاصمة تونس: «من بين الوثائق المحجوزة التي تم العثور عليها في ملف مصطفى خذر (المشرف على الجهاز السري) وثيقة تتضمن البنية التنظيمية لهذا التنظيم الإرهابي».
وأوضحت أن الهيكل «يتكون من مدير الجهاز السري وأمين سر الجهاز، وشعب (أذرع) متفرعة، من بينها شعبة جمع المصادر المفتوحة، وجمع المصادر السرية، والعلاقات الاستخباراتية والاستخبارات المضادة وحفظ الجهاز، إضافة إلى الحرب النفسية والشائعات والأرشيف وقواعد البيانات».
وشددت على أن «الوثائق الموجودة تثبت ما كان يقوم به هذا الجهاز السري من تجسس وتنصت في غرف نوم وداخل المكاتب وخارج البلاد».
وبالنسبة لـ«قزازة»، فإن «المحكمة جابهت المتهمين بوثائق تشمل اختراق مصلحة الأمن الخارجي للبلاد وعلاقة الجهاز السري مع تنظيمات إرهابية في تونس والخارج».
«الحقيقة فقط»
خلال مؤتمرها الصحفي، أعلنت هيئة الدفاع أنها ستستأنف قريبا الأحكام الابتدائية الصادرة في قضية “الجهاز السري التابع لحركة «النهضة»، الذراع السياسية لإخوان تونس، بهدف ملاحقة بقية الأطراف المتورطة وتعميق المحاسبة.
وفي كلمته بالمؤتمر، قال عبدالناصر العويني عضو الهيئة، إن الأخيرة ستستأنف قريبا الأحكام الابتدائية الصادرة في قضية «الجهاز السري لحركة النهضة».
وأضاف العويني أن هيئة الدفاع لم تطلب تعويضات مادية بل الحقيقة فقط، مشددا على أن «ملف القضية ليس فارغا أو سياسيا مثلما يتم الترويج لذلك».
وأشار إلى أن «الشكوى المرفوعة كانت ضد أشخاص وليس ضد حزب حركة النهضة»، مؤكدا أن «المسؤولية شخصية والعقوبة كذلك، فيما تتحمل حركة النهضة مسؤولية سياسية».
ودعا وزارة العدل إلى القيام بدورها وطلب تسليم الإخواني رضا الباروني الموجود في إسبانيا، وأيضا مصطفى خذر وكمال العيفي (قيادي إخواني) الموجودين في فرنسا، لافتا إلى أن ثلاثتهم أدينوا بالسجن مدى الحياة.
وأفاد بأن الأبحاث أثبتت وجود 16 مكالمة هاتفية مكثفة ليلة اغتيال محمد البراهمي بين مصطفى خذر وكمال البدوي.
وأوضح العويني أنّ الأحكام الصادرة تؤكد تورّط المتهمين في جرائم خطيرة تمس أمن الدولة، موضحا أن «عددا من الأمنيين قاموا منذ 2013 بتوثيق جملة من الوثائق في شكل تقارير حول الجهاز السري للنهضة وعلاقته بوزارة الداخلية وعلاقاته الخارجية».
أحكام
في الثاني من يونيو/ حزيران الجاري، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس أحكامها في قضية الجهاز السري لحركة النهضة، الذي يُعد ذراعاً أمنية وعسكرية للجماعة. وتراوحت الأحكام بين السجن المؤبد والسجن لمدة 10 سنوات.
وقضت المحكمة بالسجن المؤبد مع 30 عاماً إضافية بحق راشد الغنوشي، رئيس حركة «النهضة».
كما قضت بالسجن المؤبد مع 96 عاماً سجناً بحق مصطفى خذر، المشرف على الجهاز السري، والسجن المؤبد مع 76 عاماً سجناً بحق رضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي وسبعة متهمين آخرين.
وقضت المحكمة أيضاً بـ:
السجن المؤبد مع 50 عاماً سجناً بحق فتحي البلدي.
السجن المؤبد مع 37 عاماً سجناً بحق عبد العزيز الدغسني.
السجن المؤبد مع 32 عاماً سجناً بحق كمال البدوي.
السجن المؤبد مع 30 عاماً سجناً بحق سمير الحناشي.
وتضمنت بقية الأحكام ما يلي:
السجن 48 عاماً بحق قيس بكار.
السجن 46 عاماً بحق بلحسن النقاش.
السجن 42 عاماً بحق علي العريض.
السجن 34 عاماً بحق علي الفرشيشي.
السجن 18 عاماً بحق ثلاثة متهمين.
السجن 12 عاماً بحق أربعة متهمين آخرين.
السجن 10 سنوات بحق متهمين اثنين.
تفاصيل القضية
في عام 2018، كشفت هيئة الدفاع عن السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا عام 2013، عن وثائق وأدلة تفيد بامتلاك حركة النهضة جهازاً سرياً أمنياً موازياً للدولة، متورطاً في اغتيال المعارضين، وممارسة التجسس، واختراق مؤسسات الدولة، وملاحقة خصوم الحركة.
لكن القضاء التونسي لم يتحرك آنذاك، إذ كان وزير العدل وقتها نور الدين البحيري، القيادي في حركة النهضة. وظل الملف خارج إطار التحقيق إلى أن أعلنت النيابة التونسية عام 2019 فتح تحقيق بشأن معلومات تفيد بامتلاك الحركة جهازاً أمنياً سرياً موازياً للدولة.
وتشير معلومات كشف عنها التحقيق خلال الأعوام الماضية إلى أن الجهاز السري ضم جهازاً استخباراتياً داخل الدولة يتألف من 21 ألف عنصر تم دمجهم في الإدارة التونسية بمقتضى قانون العفو التشريعي العام، وشغلوا وظائف حساسة.
ويُعد مصطفى خذر المشرف الرئيسي على الجهاز السري لحركة النهضة، وقد حُكم عليه بالسجن المؤبد إضافة إلى 96 عاماً سجناً.
وتضم «الغرفة السوداء» وثائق نُقلت من مقر مدرسة تعليم القيادة المملوكة لمصطفى خذر، إلى وزارة الداخلية دون محضر حجز ودون علم فرقة الشرطة العدلية أو قاضي التحقيق المتعهد بالقضية.
ولم يتم الاعتراف رسمياً بوجود هذه الغرفة إلا بعد انتقال قاضي التحقيق في قضية اغتيال البراهمي إلى وزارة الداخلية وحجزه الصناديق الكرتونية والأكياس التي تضمنت كماً هائلاً من الوثائق.
وجرى نقل الوثائق لاحقاً إلى مقر القطب القضائي لمكافحة الإرهاب في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2018. وبناءً على ما تم العثور عليه، وجّه قاضي التحقيق المتعهد بملف اغتيال بلعيد والبراهمي آنذاك تهمة القتل العمد إلى مصطفى خذر في قضية البراهمي، إضافة إلى 22 تهمة أخرى.
وكشفت هيئة الدفاع أن قاضي التحقيق عثر على وثائق متعلقة بالتنظيم السري لحركة النهضة وبالاغتيالات السياسية. ومن بين هذه الوثائق أوراق تخص محمد العوادي، المسؤول عن الجناح العسكري لتنظيم داعش الإرهابي والمتهم باغتيال محمد البراهمي، تضمنت توصية بضرورة توفير مرافقة أمنية له حتى يغادر تونس.
كما عُثر على وثيقتين تضمان قائمتين لأشخاص مع أرقام هواتفهم، من بينهم عامر البلعزي، المتهم في قضية اغتيال البراهمي وبلعيد، باعتباره ألقى المسدسين المستخدمين في العمليتين في البحر، وقد أقر مصطفى خذر بعلاقته به.
وأكدت هيئة الدفاع سابقاً أن لحركة النهضة تنظيماً خاصاً له علاقة بالاغتيالات السياسية، وأن مصطفى خذر، الذي تم تهريبه خارج البلاد، كان المشرف على هذا الجهاز ويمتلك وثائق تتعلق بملف اغتيال بلعيد والبراهمي.
كما أكدت العثور، في ديسمبر/كانون الأول 2013، على مجموعة من الوثائق في المكان الذي كان يقيم فيه خذر آنذاك، مشيرة إلى أن جزءاً منها موجود داخل «الغرفة السوداء» بوزارة الداخلية.






