سياسة

انقسامات داخل الجيش الإسرائيلي تثير القلق بشأن قدرته القتالية


على وقع حرب بتطورات متسارعة وجبهات متناسلة، يبدو ان الجيش الإسرائيلي يخوض معركة أخرى غير تلك التي فرضها على نفسه مع ايران ووكلائها بالمنطقة، معركة تهدد بانهيار “الجيش الذي لا يهزم” من تلقاء نفسه، إذا لم تتخذ إصلاحات عاجلة لمعالجة نقص الجنود وأزمات داخلية متراكمة.

وبينما تستمر إسرائيل في حرب ممتدة على عدة جبهات تشمل ايران ولبنان وقطاع غزة والضفة الغربية وسوريا، قال رئيس هيئة الأركان العامة الجنرال إيال زامير في إحاطة مغلقة أمام المجلس الوزاري المصغر إن الجيش “رفع 10 إشارات حمراء وقد ينهار على نفسه” مع استمرار الضغط القتالي، وفق ما نقلته صحيفة تايمز أوف إسرائيل.

وأضاف أن نظام الاحتياط، الذي يشكل العمود الفقري للقوات المسلحة منذ تأسيسها، يواجه إرهاقا غير مسبوق، وأن قدرة الجيش على تنفيذ مهامه الروتينية قد تتراجع بشكل ملموس دون تدخل تشريعي.

استنزاف الاحتياط ونقص القوى البشرية

وتعكس أرقام متداولة في وسائل إعلام عبرية وعالمية عمق الأزمة، إذ سجلت تقارير من تايمز أوف إسرائيل و”بوليتيكس توداي” عجزاً في صفوف الجيش يقدر بنحو 12,000 إلى 15,000 جندي، من بينهم نحو 8,000 في وحدات قتالية أساسية.

وذكر موقع “ذا تايمز” البريطاني أن أكثر من 150,000 من قوات الاحتياط يخدمون حاليا في مهام قتالية أو دعم لوجستي على جبهات متعددة في آن واحد.

وأشار محللون نقلت عنهم تقارير دولية إلى أن العديد من جنود الاحتياط خدموا لأكثر من خمس أو ست دورات منذ أواخر 2023، وهو ما أدى إلى مستويات عالية من الإرهاق البدني والنفسي، وتراجع في الجاهزية القتالية للعديد منهم.

مؤشرات “التمرد الصامت”

ولم تقتصر الأزمة على الأرقام وحدها، فقد أوردت تقارير محلية عبرية مؤشرات على تراجع في الاستجابة للتجنيد داخل قوات الاحتياط، مع حالات امتناع أو تأجيل غير معلن عن الالتحاق بالخدمة، وهو ما وصفه محللون عسكريون في تايمز أوف إسرائيل وجيروزاليم بوست بـ “التمرد الصامت” نتيجة الإرهاق الطويل والأعباء الاجتماعية والاقتصادية لإطالة أمد الحرب.

وترتبط أزمة القوى البشرية بملف التجنيد السياسي الحساس في إسرائيل، لا سيما فيما يتعلق بإعفاء آلاف الشباب من اليهود المتشددين (الحريديم) من الخدمة العسكرية. ورغم قرارات سابقة للمحكمة العليا تطالب بتقليص الإعفاءات، أوردت يديعوت أحرونوت تقارير تفيد بأن الحكومة لم تقر تشريعات كبيرة في هذا الشأن، ما أثار توترات داخل الائتلاف.

Haredim
الحريديم فئة قوق القانون

وفي إحاطة نقلتها القناة 12 الإسرائيلية، طالب رئيس الأركان بسن قوانين لتوسيع التجنيد وتمديد مدة الخدمة الإلزامية لتخفيف الضغط على الاحتياط، في مواجهة معارضة من أحزاب دينية داخل الائتلاف الحاكم.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت يعمل فيه الجيش الإسرائيلي على أكثر من جبهة في وقت واحد، تشمل عمليات في قطاع غزة، مواجهة مع حزب الله على الحدود الشمالية مع لبنان، حملات في الضفة الغربية، تبادل ضربات في سوريا، ومواجهات غير مباشرة مع إيران، حسبما أفادت تقارير من تايمز أوف إسرائيل و”لوموند” الفرنسية.

وقال محللون عسكريون في تقرير نشرته تايمز أوف إسرائيل إن هذا الضغط المزدوج على الموارد البشرية والمادية يفاقم أزمة الاستنزاف التي تعاني منها المؤسسة العسكرية ويجعل من الصعب الحفاظ على قدرات القتال الأساسية على المدى الطويل.

انقسام سياسي  وتآكل نموذج “جيش الشعب”

وعلى مستوى السياسة الداخلية، أثار تحذير رئيس الأركان موجة من الجدل بين مؤيدي الحكومة ومعارضيها.

وهاجم زعيم المعارضة يائير لابيد الحكومة، بحسب ما نشرته إسرائيل ناشيونال نيوز، واعتبر أن الجيش “يقترب من نقطة الانهيار” نتيجة نقص الجنود وغياب التخطيط الاستراتيجي، بينما اتهم بعض أعضاء الائتلاف الحكومة العسكرية بالإضرار بالجهد الحربي من خلال إثارة ملف القوى البشرية في وقت الحرب، وفق تقارير نقلتها صحيفة هآرتس.

يقترب من نقطة الانهيار

ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تهدد أحد الأعمدة التاريخية للعقيدة العسكرية الإسرائيلية، المعروف باسم “جيش الشعب”، الذي يقوم على التعبئة الواسعة والاعتماد على قوات الاحتياط في أوقات الحرب.

وذكر موقع واللا أن تراجع نسب الاستجابة للاستدعاءات يعيد تشكيل العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني.

وتتقاطع هذه الأزمة مع المفاوضات الجارية حول ميزانية الدفاع لعام 2026، حيث تربط المعارضة دعمها للموازنة بإصلاحات في نظام التجنيد، بينما تدفع الحكومة باتجاه زيادة الإنفاق الدفاعي وتمديد مدة الخدمة الإلزامية لبعض الفئات لتخفيف الضغط على منظومة الاحتياط، وفق تقارير نقلتها يديعوت أحرونوت.

في الخارج، تشير تحليلات إعلامية مثل “لايف مينت” و”نيوزبوك” إلى أن التحديات الحالية تمثل أزمة وجودية قد تجبر إسرائيل على إعادة تقييم نظام التجنيد وسياسات التعبئة إذا أرادت الحفاظ على قدرتها على إدارة صراعات طويلة الأمد.

ومع استمرار الحرب وتفاقم الضغوط على القوات، حذر محللون ومسؤولون محليون ودوليون من أن غياب توافق سياسي داخلي لمعالجة نقص القوى البشرية سيؤدي إلى تآكل تدريجي في كفاءة الجيش الاسرائيلي وقدرته على مواجهة الصراعات المستقبلية.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى