دروس ميدانية من أوكرانيا.. التوازن بين التكنولوجيا والعنصر البشري
مع استمرار حرب أوكرانيا وتجاوزها عتبة الأربع سنوات، باتت عملية تجنيد وتحفيز الجنود مهمة أكثر صعوبة.
ورغم أن التركيز الخارجي انصب على الابتكار التكنولوجي مثل الطائرات المسيّرة والروبوتات، يؤكد الأوكرانيون أن النجاح العسكري لا يزال قائمًا على أساس بشري، بحسب صحيفة «فورين بوليسي» الأمريكية.
وقالت أوليسيا هوريانوفا، الشريكة المؤسسة لمركز الأمن والتعاون الأوكراني (USCC):: «عندما رأى الناس ما يمكن تحقيقه عبر الوسائل غير المأهولة، ظهرت بعض الأفكار بأن الحروب يمكن خوضها دون أفراد. إنها فكرة جميلة، لكن للسيطرة على الأرض وتشغيل الطائرات المسيّرة والأنظمة الأرضية غير المأهولة، تحتاج إلى أشخاص موجودين فعليًا».
ومن الناحية النظرية، تمتلك أوكرانيا عددًا كبيرًا من الأفراد المتاحين. فحتى عام 2026، يبلغ قوام قواتها المسلحة نحو 900 ألف فرد في الخدمة الفعلية، إضافة إلى عدة ملايين في الاحتياط.
الغالبية العظمى من الجنود الحاليين هم رجال تتراوح أعمارهم بين 25 و60 عامًا تم تجنيدهم إلزاميًا. وقد صمد هؤلاء المقاتلون تحت ضغط هائل. ولا يشمل التجنيد النساء، رغم أن أكثر من 70 ألف امرأة يخدمن في القوات المسلحة.
اختبار التجنيد
لكن عددًا من المسؤولين العسكريين في أوكرانيا، تحدث بعضهم بشرط عدم الكشف عن هويتهم، قالوا إن أربع سنوات من الحرب أثّرت في الروح المعنوية الوطنية، وأدت إلى توترات بين المدنيين والقوات المسلحة، بما في ذلك الشكوك حول عملية التجنيد، وهو ما يمثل مشكلة لبلد بحاجة إلى المقاتلين. ونصيحتهم للدول التي تمتلك رفاهية إعادة بناء جيوشها في زمن السلم بسيطة: المجندون الراغبون يصنعون جنودًا أفضل.
وقال بافلو زايتشينكو، رئيس وحدة الاتصالات في اللواء 59، إنه حتى بين الراغبين في الخدمة، «هناك قلق من إعادة توزيعهم على وظائف مختلفة داخل الجيش وعدم السماح لهم بالخدمة في الدور الذي اختاروه».
وأضاف أن الانضمام للقوات يعني بالنسبة للكثيرين «التخلي عن حياتهم المألوفة لفترة غير محددة»، وترك العائلة والعمل والسكن المستقر. وفي زمن السلم يكون التجنيد محدودًا بطبيعته، لكن في الحرب يتغير ذلك.
وبحسب زايتشينكو، فإنه «عندما لا يكون هناك فهم واضح لمكان الخدمة أو طبيعتها أو مدتها، يصبح ذلك عائقًا كبيرًا أمام المتطوعين المحتملين».
وقال ماكسيم هوربونوف، قائد بحري برتبة نقيب ورئيس شؤون التجنيد البحري: «كل شخص لديه دوافع مختلفة. أنا من منطقة شهدت قتالًا عنيفًا، لذلك أردت فقط حماية منزلي».
«لكن القوات المسلحة أصبحت الآن أكبر جهة توظيف في أوكرانيا. ومن المنطقي، مع كل حالة عدم اليقين بشأن ما بعد الحرب، أن يفهم الناس مسارهم المهني والمزايا التي قد يحصلون عليها»، يضيف هوربونوف.
وأشار مسؤولون في التجنيد إلى أن هذه القضايا غالبًا لا تُطرح بوضوح منذ البداية.
تراجع المعنويات
وأكد معظم من تحدثت إليهم أن العلاقة بين المدنيين والقوات المسلحة أصبحت متوترة، وأن الدافع القتالي يتراجع أحيانًا، وهو ما يظهر في تقارير حديثة عن حالات فرار وغياب دون إذن. ورغم صعوبة الحصول على أرقام رسمية، أفادت هيئة الإذاعة الأمريكية PBS بأن ما يصل إلى 150 ألف جندي قد يكونون خارج وحداتهم.
ويشير الجنود إلى عدة أسباب لذلك، بينها: الإرهاق الحربي المتزايد نتيجة استمرار الحرب
وقال زايتشينكو: «أحيانًا قصة شخصية واحدة تفوق عشرات الرسائل الإعلامية المهنية الجاهزة».
درس أوكراني
والدرس الذي يريد الأوكرانيون أن يتعلمه الحلفاء هو أن التعبئة وبناء الاحتياطيات وحملات التجنيد يجب أن تتم في أوقات السلم، لا عند اندلاع الحرب فقط، ويجب أن يُقال للناس منذ البداية الحقيقة حول طبيعة الخدمة: قد يتم إرسالك إلى مكان خطير وقد تؤدي وظيفة لم تخترها، لكنك ستحصل على رعاية وأجر جيد ومزايا، ويمكنك بناء مسار مهني حقيقي بالاعتماد على مهاراتك، بحسب «فورين بوليسي».
وفي ظل هذا القدر من عدم اليقين، يصبح ذلك ذا قيمة كبيرة، فالجنود الأكثر حماسًا يصنعون جيوشًا أفضل، ومن الأفضل دائمًا أن يقاتل بجانبك أشخاص يريدون أن يكونوا هناك، لا أن يكونوا مجبرين فقط لفترة قصيرة.
وهناك احتمال حقيقي أن تتوسع الجيوش الأوروبية في السنوات القادمة، سواء في القوات النظامية أو الاحتياط. وتوفر فترات السلم ميزة الشفافية والقدرة على التخطيط بشروط أكثر استقلالية.







