سياسة

حين تتحول الحروب إلى رهانات سياسية داخل البيت الأبيض


 

وجهت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحذيرا شديد اللهجة إلى موظفي البيت الأبيض، نبهت فيه من مغبة استغلال مناصبهم للوصول إلى معلومات غير علنية وتوظيفها في المضاربة بأسواق العقود الآجلة ومنصات المراهنات السياسية. تعكس هذه الخطوة تصاعد المخاوف داخل الإدارة من شبهات تداول مبني على معلومات داخلية ترتبط بقرارات سياسية حساسة.

تحركات مريبة وتوقيت حساس

وفقا لمذكرة داخلية مؤرخة في 24 مارس/اذر 2026، عبر مسؤولين في الإدارة، جاء هذا التحرك بعد رصد تحركات مالية وصفها المسؤولون بـ “المريبة”، سبقت إعلانات رئاسية تتعلق بالسياسة الخارجية. وقد أعاد هذا المشهد تسليط الضوء على الجدل حول هشاشة الحدود الفاصلة بين صناعة القرار السياسي والتقلبات السريعة في الأسواق.

وشددت المذكرة الصادرة عن مكتب الإدارة في البيت الأبيض على أن القواعد الأخلاقية المنظمة لعمل الموظفين الفيدراليين “صارمة ولا تقبل التأويل”، مؤكدة أن توظيف المعلومات الحكومية غير المتاحة للجمهور لتحقيق أرباح شخصية يمثل “انتهاكا صارخا للقانون الفيدرالي”. كما أشارت المذكرة بوضوح إلى قانون STOCK Act، الذي يمنع التداول بناء على معلومات داخلية في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

واقعة “تروث سوشيال” وتأثيرها على أسواق النفط

يأتي هذا التشديد عقب واقعة أثارت اهتماما واسعا في “وول ستريت”، حيث شهدت أسواق النفط تحركات غير اعتيادية قبل دقائق من إعلان رئاسي نشر عبر منصة “تروث سوشيال” في 23 مارس/اذار. وتحدث الرئيس ترامب في ذلك المنشور عن “انفراجة” في المحادثات مع إيران واحتمالية تعليق العمليات العسكرية.

وأشار محللون إلى أن عقود خام برنت وغرب تكساس سجلت تداولات كثيفة في نافذة زمنية ضيقة جدا سبقت الإعلان، بلغت قيمتها مئات الملايين من الدولارات خلال دقيقة واحدة فقط. وعقب صدور الإعلان، هبطت الأسعار بشكل حاد بنسبة قاربت 15%، مما أثار تساؤلات جدية حول توقيت فتح بعض المراكز المالية ومدى صلتها بمعلومات مسربة.

أفادت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن متداولين أجروا مضاربات بأكثر من نصف مليار دولار في سوق النفط قبل 15 دقيقة فقط من منشور الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على منصة “سوشيال تروث” عن “محادثات بناءة” مع إيران .

وقالت الصحيفة إنه تم تداول نحو 6200 من العقود الآجلة لكل من خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط صباح الاثنين الموافق ل23 مارس/اذار، في الفترة ما بين 6:49 إلى 6:50 بتوقيت نيويورك، قبل ربع ساعة من منشور ترمب، وبلغت قيمتها نحو 850 مليون دولار.

اتساع القلق إلى منصات المراهنات السياسية

لم يقتصر القلق على الأسواق التقليدية، بل شمل التحذير منصات “المراهنات السياسية” أو أسواق التوقعات مثل Polymarket وKalshi. ورصد مراقبون في هذه المنصات أنماط مراهنة اتسمت بـ “دقة لافتة”، شملت توقعات لأحداث دولية في فنزويلا، وتوقيت ضربات عسكرية أميركية، وصولا إلى تفاصيل لوجستية دقيقة تخص فعاليات البيت الأبيض، مثل مواعيد ومدد الخطابات الرسمية.

وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن حسابات عدة على منصة “بولي ماركت” للتنبؤ راهنت على وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران ، وهو ما قد يدل على وجود معلومات داخلية لدى المراهنين.

وأضافت الغارديان أن 8 حسابات حديثة، أُنشئت في 21 مارس/آذار الجاري، راهنت بمبلغ إجمالي يقارب 70 ألف دولار على التوصل إلى وقف إطلاق النار قبل 31 مارس/آذار، وكان من الممكن أن تربح ما يقارب 820 ألف دولار لو كات توقعاتهم تحققت.

وأشارت الغارديان إلى منصات التنبؤ عبر الإنترنت مثل “بولي ماركت” و”كالشي” صارت من سمات الحروب، مضيفة أن الرهانات عليها توضح وجود معلومات سرية لدى المراهنين عن عمليات عسكرية، مثل اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، أو توقيت الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وأضافت أن الحسابات على منصة “بولي ماركت” سرية، ومن الصعب للغاية تتبع ملاك محافظ العملات المشفرة التي تقوم بالمراهنات.

ونقلت الغارديان عن بن يورك، الباحث السابق في شركة “كوين تلغراف” لتداول العملات المشفرة، قوله إن محافظ الاستثمار بهذه المواقع “بالتأكيد تعود لأفراد لديهم درجة معينة من المعلومات الداخلية”.

وأشارت الغارديان إلى أن شركة “بولي ماركت” تضم بين مستثمريها شركة يمتلكها دونالد ترامب الابن، وتعرضت لانتقادات وعمليات تدقيق من الجهات المنظمة لنشاطها بسبب احتمال تسهيلها التربح من الحرب استنادا إلى معلومات داخلية.

ضغوط تشريعية ورد رسمي

أثارت هذه المعطيات حفيظة المشرعين في الكونغرس؛ حيث قادت السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن، مدعومة بأكثر من 40 مشرعا، ضغوطا على هيئة تداول السلع الآجلة (CFTC) للمطالبة بتحقيقات موسعة. ووصف المشرعون هذه الظاهرة بأنها “فساد محتمل عالي الخطورة”، محذرين من تحول هذه المنصات إلى “غرف تداول موازية” تستفيد من قربها من مصادر القرار.

من جانبه، نفى المتحدث باسم البيت الأبيض، ديفيس إنغل، وجود أدلة تثبت وقوع تسريبات أو مخالفات من قبل الموظفين، موضحا أن المذكرة تندرج ضمن الإجراءات الروتينية لتعزيز الالتزام بالقوانين. وأضاف إنغل أن الإدارة تدعم شفافية الأسواق وتهدف لمنع أي استغلال محتمل، بينما تستمر في مراجعة سياسات تداول الموظفين واستثماراتهم الشخصية. 

 

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى