سياسة

دعوات لحوار لبناني–إسرائيلي تمهيدا لنزع سلاح حزب الله


في محاولة لبنانية لإعادة تعريف مفهوم الدولة بعد سنوات طويلة من ازدواجية السلطة بين المؤسسات الرسمية والقوة المسلحة التي يمثلها حزب الله، بدأت بيروت اتصالات سياسية مع إسرائيل، لاحتواء التوتر على الحدود الجنوبية أو منع انزلاق البلاد إلى حرب جديدة.

ورغم أن تلك المحادثات التي جرت أخيراً عبر قنوات دبلوماسية في واشنطن، التي وصفت بأنها أول تواصل سياسي من هذا النوع بين الجانبين منذ أكثر من أربعة عقود، لا تزال في مراحلها الأولية، لكنها تحمل دلالات سياسية تتجاوز طبيعتها البروتوكولية، بحسب صحيفة «فورين بوليسي».

فمجرد قبول لبنان الدخول في مسار حوار، ولو غير مباشر، مع إسرائيل، يعكس تحوّلاً تدريجياً في المزاج السياسي داخل الدولة اللبنانية، خصوصاً داخل المؤسسات التي باتت ترى أن استمرار بقاء القرار الأمني والعسكري خارج سلطة الدولة يهدد بقاء لبنان نفسه كنظام سياسي قابل للحياة.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس اللبناني جوزيف عون التي أكد فيها أن لبنان لم يعد ساحة لحروب الآخرين لتعبّر عن توجه سياسي جديد يحاول ترسيخ فكرة أن الدولة يجب أن تكون صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم.

فرصة نادرة

ومن الجانب الإسرائيلي، يُنظر إلى هذه الاتصالات باعتبارها «فرصة نادرة» لإعادة صياغة الواقع الأمني على الحدود الشمالية، فإسرائيل، التي خاضت جولات متكررة من المواجهة مع حزب الله، تدرك أن أي تهدئة طويلة الأمد لن تكون ممكنة ما دام الحزب يحتفظ ببنيته العسكرية المستقلة عن الدولة اللبنانية، بحسب صحيفة «فورين بوليسي».

ولهذا، ترى تل أبيب أن تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، حتى لو تم بشكل تدريجي، قد يخدم على المدى الطويل هدفاً استراتيجياً يتمثل في تقليص نفوذ الحزب من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة جديدة.

ومن هذا المنظور، بدا واضحاً أن الحكومة الإسرائيلية سعت إلى تسويق المحادثات للرأي العام الداخلي، باعتبارها خطوة تخدم الأمن الإسرائيلي من دون تقديم تنازلات جوهرية في المدى القريب.

لكنّ الرهان اللبناني على هذا المسار لا يتعلق فقط بإدارة العلاقة مع إسرائيل، بل يرتبط -أيضاً- بمحاولة أوسع لإعادة تموضع لبنان داخل النظام الإقليمي.

فمنذ سنوات، ينظر جزء متزايد من النخبة السياسية اللبنانية إلى حزب الله باعتباره لم يعد مجرد فصيل داخلي، بل تحول إلى امتداد مباشر للنفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة، بحسب صحيفة «فورين بوليسي».

ومن هنا، فإن أي مسار يفضي إلى تعزيز سلطة الحكومة المركزية يُنظر إليه في بيروت باعتباره خطوة نحو استعادة التوازن الداخلي، وليس مجرد تفاهم أمني محدود. فبعض الأصوات اللبنانية باتت ترى أن الحوار مع إسرائيل، رغم حساسيته التاريخية، قد يشكل وسيلة لإخراج لبنان تدريجياً من موقعه كجبهة متقدمة في الصراع الإيراني الإسرائيلي.

واقع معقد

غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع داخلي معقد؛ فحزب الله لا يزال يمثل قوة عسكرية وسياسية يصعب تجاوزها، إلا أن كثيرا من المسؤولين اللبنانيين يدركون أن أي مسار من هذا النوع لا يمكن أن يكون صدامياً، بل يجب أن يقوم على إعادة بناء تدريجية لمفهوم الدولة، بحيث يصبح الاحتفاظ بالسلاح خارج المؤسسات أمراً مكلفاً سياسياً وشعبياً.

في هذا الإطار، يبرز الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الوحيدة القادرة نظرياً على ملء الفراغ إذا ما تقرر مستقبلاً تقليص دور حزب الله العسكري.

ولتحقيق ذلك الهدف، تتزايد الدعوات داخل الأوساط الدبلوماسية والأمنية لإطلاق برنامج دعم دولي واسع لإعادة تأهيل المؤسسة العسكرية، ليس فقط من خلال المساعدات التقليدية، بل عبر إعادة بناء عقيدتها وقدراتها لتصبح قادرة على فرض سيادة الدولة على كامل أراضيها.

دعم الجيش

ويعتقد بعض الخبراء أن أي حل طويل الأمد يجب أن يمر عبر دعم صفوف الجيش وتسليحه أولاً، قبل الحديث عن أي ترتيبات تتعلق بسلاح الحزب.

في المقابل، يبقى العامل الإقليمي حاسماً في تحديد مستقبل هذا المسار؛ فإيران، التي تعتبر حزب الله أحد أهم أذرعها الاستراتيجية في المنطقة، لا تبدو مستعدة للتخلي عنه بسهولة، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات الإقليمية الأوسع.

وهذا يعني أن مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل لن يُحسم فقط في بيروت أو تل أبيب، بل سيتأثر أيضاً بطبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، وبما إذا كانت القوى الكبرى ستتعامل مع الملف اللبناني باعتباره جزءاً من تسوية إقليمية أشمل.

 

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى