سياسة

“الجولان المحتل”.. من لا يملك يمنح من لا يستحق


لم تشهد السياسة الأمريكية تناقضات كالتي تعايشها في ظل قيادة الرئيس دونالد ترامب الذي بات يحكم بعقلية رجل الأعمال، وكأنّ العالم عبارة عن شركة تعهدات للسياسة والمواقف السياسية.

إن سياسة آمر البيت الأبيض لم تقتصر على منهجية رجل الأعمال، بل بات اليوم يعمل وفق عقلية الإقطاعي الذي يحكم العالم ويملكه وله الحق في التصرف به كيف شاء! بدءاً من نقل سفارة بلاده في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس كنوع من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ضارباً المعاهدات والاتفاقات الدولية عرض الحائط، وانتهاءً بالاعتراف بسيادة تل أبيب على هضبة الجولان السوري المحتل من قبل إسرائيل منذ عام 1967، مع العلم أنّ كلّ المعاهدات الدولية ومواثيق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن حول قضية الجولان السوري المحتل تصنف هضبة الجولان كأرض سورية محتلة بالقوة حتى تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وعليه وضعت الأمم المتحدة قوات فصل أممية على الحدود لضمان سريان وقف إطلاق النار الموقع منذ عام 1974 بين الجانبين السوري والإسرائيلي.

إن سياسة دونالد ترامب الارتجالية الانفعالية لن تكون دون عواقب باهظة الثمن والتي تنعكس سلباً على السياسة الأمريكية في العالم عموما وفي المنطقة العربية على وجه الخصوص وفي عدة جوانب:

أولاً على الجانب الأمريكي: لطالما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تستمد قوتها السياسية وهيمنتها على النفوذ العالمي من تبنيها لوصف نفسها بضابط أمن العالم وراعية المؤسسات الدولية بكافة منظماتها بدءاً بالأمم المتحدة ومنظماتها وانتهاءً بمجلس الأمن الدولي وصلاحياته وتطبيق قراراته، وإن كان الأمر ليس كذلك في حقيقة الأمر إلا أن واشنطن اعتادت على إضفاء هذه السمة على سياستها وإن احتاجت لمعارضة هذه المؤسسات فإنها تلتف عليها التفافاً لا تنسفها نسفاً، كما حدث عندما التفت على قرارات مجلس الأمن الدولي الرافضة لحربها على العراق عام 2003 فشنت حربها معارضة القوانين الدولية.

أما سياسة نسف القرارات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تنتهجها واشنطن اليوم ستؤدي إلى إخراج الولايات المتحدة من دائرة الثقة العالمية والدولية التي قد تنتهي بتحجيم دورها، وهذا ما لن ترضى به الذهنية الأمريكية المعتادة على حصرية القرار العالمي وملكيته، ما قد يفرض عليها معارك عسكرية لا سياسية لاستمرار نفوذها، وهذا سيؤدي بالضرورة لتأليب الرأي العام الأمريكي المعكر المزاج أصلاً ولا سيما بعد سلسلة الاستقالات التي جاءت اعتراضاً على ذلك وعلى رأسها استقالة وزير الدفاع جيمس ماتيس ومسؤولين آخرين مما ينذر باضطراب السياسة الداخلية الأمريكية في حال استمرار ترامب بهذا النهج.

ثانياً على الجانب الدولي: تؤدي هذه السياسة إلى خلط الأوراق وعرقلة السياسة الدولية التي تستند على الثقة والتوازنات الاستراتيجية واحترام القوانين الدولية، فيتحول العالم إلى ساحة ودائرة مغلقة من الاضطرابات التي لا يمكن معها إيجاد قنوات اتصال ثابتة تعيد العالم إلى انسجامه، وهذا ما لن يقبل به المجتمع الدولي مهما كانت الأثمان لأنه يهدد السِّلم الدولي.

فمنذ اليوم الأول لإعلان “ترامب” نقل السفارة الإسرائيلية إلى القدس، صرحت معظم الدول الغربية بمعارضتها لهذا القرار من بينها الدول الحليفة لإسرائيل ورفضت أن تحذو حذو واشنطن، وبعد تصريح ترامب الأخير عن نيته الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل سارع الاتحاد الأوروبي وعلى لسان المتحدث الرسمي باسم الاتحاد الأوروبي بالتأكيد على أن الأوروبيين لا يعترفون بهذا الحق.

ثالثاً على الجانب العربي: من المعروف أن مسألة الصراع العربي الإسرائيلي هي قضية وجود منذ اليوم الأول لدخول اليهود أرضها مستغلين فترة الضعف العربي، إذ كانت الدول العربية مشغولة بالنضال لتحقيق استقلالها من دول الاستعمار، فتواطأت دول الاستعمار وعلى رأسها بريطانيا لمنح الحق لليهود في أرض فلسطين، ومن هنا أخذ الصراع العربي الإسرائيلي مناحي عدة فتُرجم إلى عدة حروب مباشِرة منذ عام 1948 حتى حرب أكتوبر عام 1973، وكانت السياسة الأمريكية منحازة للإسرائيليين ولكن العرب تركوا الباب مفتوحاً لإنهاء الصراع سياسياً من خلال تحقيق السلام العادل والشامل فكانت الولايات المتحدة تُعامَل عربياً على أنها طرف ثالث -وإن كانت منحازة- أملاً بأن يأخذ القانون الدولي مجراه في تحقيق السلام، ولكن من شأن هذه التصريحات الأمريكية أو بشكل أدق -إن صح التعبير- “الترامبية” الأخيرة أن تدفع العرب إلى نفض يدهم من يد واشنطن لتخسر بذلك الولايات المتحدة نفوذها في الشرق الأوسط، فإن كانت الدول العربية بحكم الأمر الواقع متحالفة مع أمريكا إلا أنها في حقيقة الأمر ليست تابعة ولن تقبل بتحويل ترامب الأرض العربية لإقطاعات يوزعها لمُرابعيه كما يشاء ولا أن يحول القضايا العربية إلى امتيازات سياسية يهديها لندمائه كما يروق له.

إن تجاهل واشنطن لتقاطعات السياسة الدولية وتحويلها النفوذ الأمريكي إلى أداة تحكمها المزاجية من شأن ذلك هدم ما بناه الساسة الأمريكيون منذ تأسيس الولايات المتحدة بتحويلها إلى دولة تبحث عن أصدقاء لا العكس، وهذا الأمر وارد ولا مبالغة فيه إذا ما انفضّ الحلفاء من حولها واستبدلوا القطب الأمريكي بقطب آخر، خاصة وأن روسيا والصين يطرحان نفسيهما بديلا للنفوذ الأمريكي ويجتهدان لتحقيق ذلك سواء كان بشكل فردي أو بشكل مشترك على الصعيدين العسكري والاقتصادي.

نقلا عن العين الإخبارية

تابعونا على

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى