سياسة

تقارير عن استقالة بزشكيان تثير تساؤلات بشأن موازين السلطة في طهران


 نفت الرئاسة الإيرانية الأحد، صحة الأنباء التي تحدثت عن استقالة الرئيس مسعود بزشكيان، مؤكدة أن الرئيس سيواصل مهامه ولن يتراجع عن خدمة الشعب الإيراني، في وقت أعادت فيه هذه التسريبات تسليط الضوء على التوترات المتصاعدة داخل مراكز القرار في الجمهورية الإسلامية بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل.

وجاء النفي على لسان نائب رئيس دائرة الاتصالات في مكتب الرئاسة مهدي طباطبائي، الذي وصف ما تم تداوله بشأن استقالة بزشكيان بأنه “شائعات وألاعيب إعلامية” تقف وراءها وسائل إعلام أجنبية، مشدداً على أن الرئيس الإيراني متمسك بمواصلة عمله وأن وحدة الإيرانيين أقوى من محاولات استهدافها.

وكان موقع ‘إيران إنترناشيونال’ المعارض والمتمركز في لندن قد نقل عن مصدر إيراني لم يسمه أن بزشكيان بعث برسالة إلى مكتب المرشد الإيراني طلب فيها التنحي عن منصبه، معربا عن قلقه مما وصفه بخروج إدارة الدولة عن مساراتها الرسمية وانتقال مراكز القرار الفعلية إلى مجموعة من قادة الحرس الثوري.

وبصرف النظر عن صحة هذه الرواية أو نفيها، فإن الجدل الذي أثارته يعكس حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن الحرب الأخيرة وما رافقها من تحديات أمنية وعسكرية عززت نفوذ التيار المتشدد داخل النظام الإيراني، ومنحت الحرس الثوري دوراً أكبر في إدارة الملفات الاستراتيجية والسياسية والأمنية.

ومنذ انتهاء المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران وإسرائيل، بدا واضحاً أن موازين القوى داخل مؤسسات الحكم الإيرانية تشهد تحولات متسارعة، فالأجهزة الأمنية والعسكرية التي اضطلعت بالدور الأبرز خلال الحرب خرجت بنفوذ سياسي أكبر، بينما تراجع حضور الأصوات التي كانت تدعو إلى مقاربات أكثر انفتاحاً أو إصلاحية، وهي البيئة التي ساهمت أساساً في وصول بزشكيان إلى الرئاسة.

ولا تبدو الشائعات المتعلقة باستقالة الرئيس مجرد خبر عابر، بل تعكس وجود نقاشات وصراعات حقيقية داخل بنية النظام بشأن إدارة المرحلة المقبلة، فالرئيس الذي قدم نفسه باعتباره واجهة لخطاب أكثر اعتدالاً يجد نفسه أمام واقع سياسي وأمني تزداد فيه هيمنة المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري، خصوصا في الملفات الحساسة المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية والبرنامج النووي.

كما أن نفي الرئاسة لا يحجب مؤشرات أخرى تتحدث عنها دوائر مراقبة للشأن الإيراني منذ أشهر، أبرزها اتساع الفجوة بين المؤسسات المنتخبة ومراكز القوة غير المنتخبة، وازدياد تأثير القيادات العسكرية في رسم السياسات العامة للدولة تحت عنوان مواجهة التهديدات الخارجية.

وتأتي هذه التطورات في وقت لم تنته فيه تداعيات الحرب الأخيرة بشكل كامل. صحيح أن المواجهات العسكرية المباشرة توقفت وأن الغارات المتبادلة هدأت، إلا أن أسباب التوتر ما زالت قائمة، فيما تبدو المنطقة وكأنها دخلت مرحلة هدنة هشة أكثر منها تسوية مستقرة.

ومن هنا، يرى مراقبون أن ما يجري حالياً لا يقتصر على صراع نفوذ داخلي، بل يدخل أيضاً في إطار حرب نفسية وإعلامية متواصلة بين أطراف إقليمية ودولية تسعى إلى التأثير على صورة التماسك داخل النظام الإيراني، فالتسريبات والشائعات المتعلقة بمراكز القرار والانقسامات الداخلية أصبحت جزءاً من معركة أوسع تدور بالتوازي مع المسارات العسكرية والدبلوماسية.

ومع أن غبار الحرب انقشع نسبياً، فإن النار لا تزال تحت الرماد، فالمفاوضات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والخلافات حول النفوذ الإقليمي، واستمرار حالة عدم الثقة بين طهران وخصومها، كلها عوامل تجعل أي انتكاسة دبلوماسية أو خطأ في الحسابات السياسية والعسكرية قادراً على إعادة إشعال المواجهة من جديد.

وبين نفي رسمي حاسم وتسريبات يصعب التحقق منها، يبقى الثابت أن إيران دخلت مرحلة جديدة تتسم بتعاظم دور المؤسسة العسكرية والأمنية، فيما تبدو معركة النفوذ داخل النظام مفتوحة على احتمالات متعددة قد تحدد شكل الجمهورية الإسلامية في مرحلة ما بعد الحرب.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى