استنفار أمني في العراق عقب رصد نشاط لخلايا داعش
تشهد الساحة العراقية في الآونة الأخيرة مؤشرات مقلقة على عودة نشاط تنظيم داعش، رغم الضربات الأمنية المتتالية التي تستهدف خلاياه. ويأتي إعلان وزارة الداخلية العراقية عن تفكيك أربع خلايا “إرهابية” خلال الربع الأول من عام 2026 ليؤكد أن التنظيم لا يزال يحتفظ بقدرة على إعادة تنظيم صفوفه، مستفيداً من الفضاء الرقمي.
وقال المتحدث باسم الوزارة العقيد عباس البهادلي، في مؤتمر صحفي، إن مديرية الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية نفذت خلال الفترة الماضية 479 أمر قبض بحق متهمين وفق المادة (4 إرهاب)، إلى جانب تنفيذ 80 عملية استباقية أسفرت عن تفكيك 4 خلايا إرهابية وتدمير 3 مضافات تابعة للتنظيم.
وأشار البهادلي إلى إلقاء القبض على 22 متهماً بجرائم الخطف، و173 متهماً بالاتجار بـ”الدكة العشائرية”، فضلاً عن ضبط 732 قطعة أثرية معدة للتهريب، واعتقال 10 متهمين بانتحال صفات رسمية.
وفي سياق العمليات النوعية، كشف المتحدث باسم الوزارة أن “خلية الصقور” الاستخبارية نجحت في اختراق التنظيم وتفكيك خلاياه في “عمق الدار”، مؤكداً إلقاء القبض على 91 متهماً بالإرهاب من خلال هذه الجهد الاستثنائي.
ويعتمد داعش حالياً على ما يُعرف بـ”الخلايا النائمة” أو الصغيرة، التي تعمل بشكل منفصل لتجنب الاختراق الأمني. وغالباً ما يتم تجنيد هذه العناصر وتوجيهها إلكترونياً، دون الحاجة إلى تواصل مباشر مع قيادات التنظيم. هذا النمط يمنح التنظيم مرونة أكبر وقدرة على تنفيذ هجمات محدودة لكنها مؤثرة إعلامياً.
ولفت العقيد البهادلي إلى أن المجاميع الإرهابية لجأت مؤخراً إلى أساليب وصفها بـ”الرخيصة” عبر الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية لتجنيد الشباب، مؤكداً أن خلية الصقور تمكنت من اختراق الخلايا التي تنشط رقمياً.
ودعا العوائل العراقية بضرورة تشديد المراقبة على الأبناء أثناء استخدام المواقع الإلكترونية ومتابعة نشاطاتهم، محذراً من أن “التورط بالانتماء لهذه التنظيمات سيؤدي بصاحبه إلى عقوبة الإعدام”.
ويعتمد التنظيم على خطاب دعائي مموّه، يبدأ بمحتوى ديني أو اجتماعي قبل أن ينزلق تدريجياً نحو أفكار متطرفة، مستغلاً تقنيات مثل الحسابات الوهمية، والمجموعات المغلقة، وتطبيقات التراسل المشفّر.
وتشير تقارير أمنية إلى أن التنظيم يركز على استقطاب الشباب في المناطق التي شهدت سابقاً نشاطاً له، مثل بعض المحافظات الشمالية والغربية، مستفيداً من هشاشة الأوضاع الاقتصادية والخدمية. كما يسعى إلى تجنيد عناصر جديدة من خلال إيهامهم بفرص مالية أو “أدوار بطولية”، في ظل غياب بدائل حقيقية لدى بعضهم.
في المقابل، كثّفت الأجهزة الأمنية العراقية من جهودها في مجال الأمن السيبراني، حيث تعمل على تتبع الحسابات المشبوهة وإغلاقها، إضافة إلى تنفيذ عمليات استباقية بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة. كما بدأت الجهات المعنية بالتعاون مع منصات التواصل للحد من انتشار المحتوى المتطرف.
رغم هذه الجهود، يبقى التحدي قائماً، إذ إن القضاء على التنظيم عسكرياً لا يعني نهاية فكره. فالمعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل في الفضاء الإلكتروني أيضاً، حيث يسعى داعش إلى إعادة إنتاج نفسه بأدوات جديدة تتناسب مع الواقع الرقمي.
كما أن عناصر داعش الذين تسلمهم العراق من مخيمات سوريا، يشكلون تحديا آخر، حيث أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق الخميس الماضي، أن السلطات القضائية ستباشر باتخاذ الإجراءات القانونية بحق عناصر تنظيم داعش الذين يتسلمهم العراق من السجون التي كانت تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وذلك في إطار عملية نقل جماعية أطلقتها القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”.
وقال المجلس في بيان إن “جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم داخل التنظيم الإرهابي، خاضعون لسلطة القضاء العراقي حصرا، وستطبق بحقهم الإجراءات القانونية دون استثناء”.
وفي السياق ذاته، أعلنت الحكومة العراقية تسلم الدفعة الأولى من المعتقلين، وتضم 150 عنصرا من “داعش”، بينهم عراقيون وأجانب.
وأوضح المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية صباح النعمان، أن عملية التسليم تأتي بالتنسيق مع التحالف الدولي، مشيرا إلى أن المعتقلين أُودعوا في المؤسسات الإصلاحية العراقية.
من جانبها، أكدت القيادة المركزية الأميركية أن العملية تهدف إلى نقل ما يصل إلى 7,000 من عناصر داعش من شمال شرقي سوريا إلى مرافق عراقية مؤمنة، مشددة على أن نقلهم المنظم “ضروري لمنع أي محاولة فرار قد تشكل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي والدولي”.
كما أفادت مصادر أمنية عراقية بأن المعتقلين سيتم نقلهم على مراحل، باستخدام طائرات مخصصة إلى سجون مؤمنة داخل البلاد.
وأصدرت محاكم عراقية في الأعوام الماضية أحكاما بالإعدام والسجن مدى الحياة في حق مدانين بالانتماء إلى “جماعة إرهابية” في قضايا إرهاب وقتل مئات من الأشخاص.







