سياسة

مركبات عسكرية تتقاعد لتبدأ حياة مدنية في المزارع والريف


بعيداً عن ضجيج المعارك وصفارات الإنذار، تبدأ آلاف المركبات العسكرية المتقاعدة حول العالم حياة جديدة في مسارات لم تكن يوماً جزءاً

 من مهامها الأصلية.

وبحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”، تجد الدبابات والشاحنات التكتيكية وناقلات الجنود التي صُممت يوماً لاجتياز ميادين الحرب، نفسها بعد خروجها من الخدمة تتحول إلى أدوات ترفيه، ومركبات إنقاذ، ومنصات تسويقية، بل وحتى مشاريع شغف شخصية تعيد إحياء جزء من التاريخ العسكري داخل الحياة المدنية.

إنها رحلة استثنائية تكشف عن عالم موازي تتغير فيه وظيفة هذه الآليات، بينما تحتفظ بهيبتها وصلابتها وقصصها الكامنة خلف صفائحها المعدنية الثقيلة.

في إحدى مزارع ولاية كانساس، يقف صانع المحتوى الأمريكي الشهير ويستين تشامبلين إلى جوار دبابة قتال بريطانية من طراز “سنتوريون” تعود إلى عام 1962، في مشهد يبدو أقرب إلى استعراض عسكري منه إلى حياة ريفية هادئة.

من ساحات القتال للمزارع.. الحياة الثانية للمركبات العسكرية بعد التقاعد - صورة 1

فالدبابة، التي لم تعد صالحة للإطلاق، لا تزال تحتفظ بمحركها الجبار من نوع “رولز رويس ميتيور في12 وبرجها الدوار ومناظيرها الأصلية، ما يجعلها قطعة هندسية مدهشة أكثر من كونها مجرد خردة عسكرية.

وبعد أن اقتناها مقابل 130 ألف دولار عبر منصة المزادات الشهيرة “برينغ آ تريلر”، أعاد تشامبلين تشغيلها لتصبح نجمة محتواه الرقمي، يستخدمها في المواكب والعروض، ويصفها ببساطة بأنها “جرار ضخم قادر على القيام بأشياء مذهلة”.

ولا يمثل هذا المثال حالة استثنائية، بل يعكس اتساع سوق متنامية لتجارة المركبات العسكرية الخارجة عن الخدمة. فمنصة ” برينغ آ تريلر”، التي بدأت كمدونة صغيرة لعرض السيارات النادرة، تحولت إلى مركز عالمي لبيع كل شيء، من سيارات الهامفي والإسعاف العسكري إلى الدبابات والطائرات.

من ساحات القتال للمزارع.. الحياة الثانية للمركبات العسكرية بعد التقاعد - صورة 2

ويجد في هذا السوق وسطاء متخصصون مثل روبرت ديتز، الذي لا يرى في هذه التجارة مجرد نشاط ربحي، بل مهمة للحفاظ على التاريخ العسكري من الاندثار، عبر نقل هذه القطع إلى هواة ومقتنين يمنحونها حياة جديدة.

لكن القيمة الحقيقية لبعض هذه المركبات تظهر حين تستعيد دورها العملي خارج نطاق الحرب. ففي ولاية واشنطن، تحولت ناقلة جنود سويسرية قديمة من طراز “بينزغاور 710 إم” إلى ركيزة أساسية في عمليات البحث والإنقاذ.

اقتناها براندن باول، قائد فريق إنقاذ تطوعي، بعدما اكتشف محدودية قدرات مركباته المدنية المعدلة على العمل في التضاريس الوعرة. وبعد تحديثها بأنظمة اتصالات وتخزين متطورة، أصبحت المركبة أداة فعالة في الوصول إلى المناطق النائية ونقل فرق الإنقاذ بكفاءة.

ويعترف باول بأن هذه المركبات لم تُصمم أصلاً لأغراض مدنية، لكن متانتها الاستثنائية تجعلها قادرة على التأقلم مع مهام جديدة تتجاوز تصور مصمميها الأوائل.

وفي قطاع آخر بعيد تماماً عن ميادين الإنقاذ، وجدت المركبات العسكرية المتقاعدة مكانها في عالم التسويق والإنتاج الإعلاني. ففي مدينة سافانا بولاية جورجيا، يستخدم توماس كارلسون وزوجته هذه المركبات ضمن شركتهما المتخصصة في إنتاج حملات دعائية بطابع عسكري.

أما بالنسبة لكثير من المحاربين القدامى وهواة الهندسة الميكانيكية، فإن امتلاك هذه المركبات يمثل امتداداً شخصياً لذكريات الخدمة العسكرية أو فرصة لإطلاق مشاريع ترميم معقدة. فمات فيرلي، الفني السابق في البحرية الأمريكية، اشترى شاحنة عسكرية متهالكة مقابل 1800 دولار فقط.

من ساحات القتال للمزارع.. الحياة الثانية للمركبات العسكرية بعد التقاعد - صورة 3

وأمضى فيرلي سنوات في تحويلها إلى مركبة متطورة مجهزة بأنظمة تحميل هيدروليكية وإضاءة حديثة وتوجيه معزز. لم تكن بالنسبة له مجرد وسيلة نقل، بل مشروع حياة يجمع بين الحنين والتحدي التقني.

المشهد ذاته يتكرر مع كريس ديلونغ، الذي اقتنى شاحنة “مان” رباعية الدفع كانت تخدم في الجيش الدنماركي، وحولها إلى مركبة متعددة الاستخدامات يعتمد عليها في أعمال قطع الأشجار والتنقل اليومي. وبينما يعترف مازحاً بأنها وسيلة “لإخافة السائقين الآخرين وإبهار الأطفال”، فإن شغفه بها يعكس جاذبية خاصة تمارسها هذه المركبات على محبي الميكانيكا والتاريخ العسكري.

هذه تكشف القصص عن مصير غير متوقع للمعدات العسكرية بعد تقاعدها. فما كان يوماً أداة للقتال يتحول إلى رمز للإبداع وإعادة التوظيف، حاملاً معه إرثاً ثقيلاً من التاريخ، لكنه يواصل رحلته في خدمة أهداف جديدة.

من دبابات أصبحت نجوم منصات رقمية، إلى ناقلات جنود تنقذ الأرواح، وشاحنات عسكرية تتحول إلى ورش متنقلة أو أدوات تعليمية، تثبت هذه المركبات أن نهاية الخدمة العسكرية ليست سوى بداية لفصل جديد أكثر غرابة وإثارة.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى