سياسة

كيف وحّدت الضربات الأميركية الداخل الإيراني رغم تفاقم الأزمة؟


ظلت المعارضة لحكم رجال الدين في إيران تتصاعد ببطء على مدى سنوات، ولا سيما في جنوب البلاد الفقير. لكن بعد أن تحمل سكان تلك المناطق وطأة الضربات الأميركية هذا الشهر، بات كثير منهم يوجهون غضبهم إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحملة الجوية التي يقولون إنها قلبت حياتهم رأسا على عقب.

ولا يزال جنوب إيران المطل على مضيق هرمز هدفا رئيسيا للهجمات الأميركية التي طالت الموانئ ومنشآت الطاقة والبنية التحتية للنقل. وتقول واشنطن إن الغارات تهدف إلى الحد من قدرة طهران على تهديد الملاحة عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي، بينما تؤكد الأخيرة أن الهجمات تجاوزت بكثير الأهداف العسكرية المشروعة.

وأجرت وكالة رويترز مقابلات مع أكثر من 20 من سكان جنوب إيران عبر الهاتف وتطبيقات المراسلة، واتفق معظمهم على أن الضربات تجاوزت الأهداف ذات الطابع العسكري الواضح.

وقال أمين، الذي يدير نزلا سياحيا صغيرا في جنوب البلاد، “دمر ترامب حياتنا أكثر مما فعل الحكام الإسلاميون”، مؤكدا أن الغارات فاقمت الصعوبات الاقتصادية التي يعانيها السكان.

ورغم العداء المستمر منذ سنوات لحكومة طهران في العديد من الأقاليم الجنوبية، وكذلك بين بعض الأقليات العرقية المهمشة، فإن أيا ممن تحدثت إليهم رويترز لم يقل إن الصراع أدى إلى زيادة التأييد لاندلاع احتجاجات جديدة ضد الحكومة.

وقال أمين “أشعر وكأنني أختنق”. ويرى أن الإحباط الناتج عن تداعيات الضربات يفسر عدم تحول الحرب إلى موجة جديدة من الاضطرابات، حتى في الأقاليم التي عرفت سابقا باحتجاجاتها المناهضة للحكومة، وهو ما كان ترامب يأمل في حدوثه مع بداية الصراع.

وقال رضا (62 عاما)، وهو محارب قديم شارك في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، إن ابنه اعتقل خلال الاحتجاجات الجماهيرية في يناير/كانون الثاني، وإنه لم يعد يحتمل حكم رجال الدين، لكنه لا يزال مستعدا لحمل السلاح إذا تعرضت بلاده للخطر.

وأضاف المعلم المتقاعد من منزله في مدينة عبادان بمحافظة خوزستان “إذا احتاجتني بلادي، فسأحمل السلاح مرة أخرى، ليس من أجل هذا النظام، بل من أجل التربة التي أقف عليها. هذا أقل ما أدين به لها”.

ومن بين سكان الجنوب الذين تحدثت إليهم رويترز أشخاص شاركوا في موجات احتجاج سابقة، ووصفوا أنفسهم بأنهم معارضون للنظام، لكن أيا منهم لم يؤيد عودة الاضطرابات في الوقت الراهن. وفي المقابل، لم يعرب سوى عدد محدود عن دعمه للسلطات، وهو ما قد يعكس تحديات مستقبلية تواجه حكومة طهران.

وتخشى القيادة الإيرانية من أن يؤدي استمرار الصعوبات الاقتصادية إلى اتساع دائرة الغضب داخل قاعدتها الاجتماعية، ولا سيما بين أصحاب الدخلين المتوسط والمنخفض، خاصة إذا ظل التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بعيدا.

وتضم أقاليم هرمزجان وبوشهر وخوزستان وسيستان وبلوشستان مساحة واسعة تمتد على طول الساحل الجنوبي لإيران، من الحدود العراقية غربا إلى الحدود الباكستانية شرقا.

وتحتضن خوزستان أقلية عربية كبيرة، فيما تضم سيستان وبلوشستان أقلية بلوشية، بينما يقطن هرمزجان عدد من أبناء الأقلية السنية. وتقول هذه الجماعات إنها تعاني منذ سنوات من التمييز في الجمهورية الإسلامية ذات الأغلبية الفارسية والشيعية.

ولا يقتصر الاستياء على هذه المجموعات، إذ تشمل الأقليات المعارضة أيضا الأكراد في الغرب، والأذريين في الشمال الغربي، والتركمان في الشمال الشرقي.

وتتراوح مطالب هذه الأقليات بين الحق في استخدام لغاتها الأم في المدارس والمحاكم، والاعتراض على سياسات يقولون إنها ألحقت أضرارا بمجتمعاتهم المحلية وفاقمت المشكلات الصحية والخدمية.

ورغم أن معظم احتياطات إيران من النفط والغاز تقع في الجنوب، يشكو السكان من ضعف الاستثمارات، وقلة فرص العمل، وتردي الخدمات العامة، حتى إن شبكات الكهرباء تشهد انقطاعات متكررة خلال فصل الصيف شديد الحرارة، ما يترك السكان في مواجهة درجات الحرارة المرتفعة دون وسائل تبريد.

وقال هادي، وهو صاحب متجر بقالة في خوزستان “فاقمت الهجمات الأميركية مشاكلنا. وانقطاع الكهرباء لساعات يعني أيضا انقطاع المياه لساعات في هذا الحر”.

وأضاف “أحب إيران، لكنني لا أحب الجمهورية الإسلامية، ولا أولئك الذين يدعون إلى استمرار الحرب وهم يجلسون في منازلهم ومكاتبهم المكيفة. يجب أن تتوقف هذه الحرب. لقد طفح الكيل”.

وتنفي السلطات الإيرانية وجود أي تمييز على أساس المنطقة أو العرق أو الدين. وكانت بعض المحافظات الجنوبية من أبرز مراكز الاحتجاجات المناهضة للحكومة خلال الأعوام 2019 و2022، وكذلك خلال احتجاجات يناير/كانون الثاني.

وأصبحت الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي أحد أبرز أسباب تفاقم المعاناة، خاصة في المحافظات التي تتجاوز فيها درجات الحرارة خلال الصيف 40 درجة مئوية، إذ تؤدي إلى توقف أجهزة التكييف وتعطل إمدادات المياه التي تعتمد على المضخات الكهربائية.

وقال صمد، وهو طالب من محافظة بوشهر التي تضم محطة إيران النووية الوحيدة العاملة، إنه لم يتمكن من التركيز على امتحاناته بسبب الغارات الليلية، مضيفا “كنت أريد الحرية، لكن انظروا ماذا جلب لنا ترامب”.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى