سياسة

تريندز تقدم مقترحات لفك تعقيدات مضيق هرمز وأمن الطاقة


تشارك مجموعة ‘تريندز للبحوث والاستشارات’ غدا الأربعاء في أعمال ندوة افتراضية ينظمها مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة (دراسات) بالتعاون مع ملتقى الطاقة العربي، تحت عنوان “التطورات في مضيق هرمز بين الجغرافيا وأمن الطاقة العالمي”، حيث تأتي هذه المشاركة ضمن مسعى لتحليل التداعيات الجيوسياسية المتسارعة وانعكاساتها على استقرار منظومة الطاقة على المستوى العالمي.

وفي لحظة دولية مشحونة بالتقلبات، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر جغرافي تعبره ناقلات النفط، بل تحول إلى ما يشبه “صمام تحكم” في إيقاع الاقتصاد العالمي. ومع تزايد التوترات، بات هذا الشريان الحيوي عرضة لشد وجذب سياسي وعسكري، ما أعاد تعريف أمن الطاقة باعتباره قضية سيادية واستراتيجية تتجاوز حدود العرض والطلب.

وضمن هذا السياق، تكتسب مشاركة ‘تريندز للبحوث والاستشارات’ في الندوة التي ينظمها مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة (دراسات) أهمية خاصة، ليس من زاوية المتابعة الخبرية، بل من حيث ما تقدمه من قراءة معمقة تعيد تفكيك معادلة أمن الطاقة في ظل بيئة جيوسياسية مضطربة.

كلما تنوعت المسارات وتعزز التكامل، تراجع تأثير الجغرافيا كسلاح

ورؤية ‘تريندز’، كما يستعرضها الرئيس التنفيذي للمجوعة الدكتور محمد عبدالله العلي، تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن الاعتماد المفرط على الممرات الضيقة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، لم يعد خيارا آمنًا في عالم تتسارع فيه أدوات الضغط غير التقليدية، فالمضائق البحرية، التي لطالما شكلت عصب التجارة العالمية، أصبحت اليوم أوراقًا تفاوضية تُستخدم في إدارة الأزمات، وهو ما يفرض إعادة هندسة منظومة الإمداد من جذورها.

وتطرح ‘تريندز’ مقاربة متعددة المحاور، تبدأ بتعزيز أمن الملاحة البحرية عبر تطوير البنية التحتية الأمنية والتقنية في الممرات الحيوية، بما يشمل أنظمة المراقبة الذكية، والتنسيق البحري المشترك، ورفع جاهزية الاستجابة السريعة لأي تهديدات محتملة. ولا تفصل هذه المقاربة بين الأمن الصلب والأمن اللوجستي، بل تنظر إليهما كوجهين لعملة واحدة.

غير أن جوهر الرؤية يتجلى في الدعوة إلى كسر “أحادية المسار”، فتنويع طرق الإمداد لم يعد مجرد خيار اقتصادي لتحسين الكفاءة، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية لتقليل المخاطر السيادية. وتشير ‘تريندز’ إلى أن الاستثمار في خطوط الأنابيب العابرة للحدود والموانئ البديلة خارج نطاق الاختناقات الجغرافية، يمثل صمام أمان حقيقي في أوقات الأزمات، شريطة أن يقترن ذلك برفع كفاءة هذه المسارات وضمان جاهزيتها التشغيلية.

وتتقدم فكرة التكامل الإقليمي كأحد الأعمدة الأكثر واقعية في هذه الرؤية، فبدل أن تتعامل كل دولة مع المخاطر بشكل منفرد، تدعو ‘تريندز’ إلى بناء شبكة عربية مترابطة في مجال الطاقة، تقوم على تبادل القدرات اللوجستية وتنسيق السياسات وتكامل البنى التحتية. ولا يعزز هذا التكامل فقط المرونة، بل يخلق أيضًا قوة تفاوضية جماعية في مواجهة الضغوط الدولية.

الدكتور محمد عبدالله العلي لا يشخص الأزمة فقط بل يقدم حلولا واقعية
الدكتور محمد عبدالله العلي لا يشخص الأزمة فقط بل يقدم حلولا واقعية

كما تسلط رؤية ‘تريندز’ الضوء على أهمية المخزونات الاستراتيجية كأداة امتصاص للصدمات، لكنها تحذر في الوقت ذاته من التعويل عليها كحل دائم، إذ أن فعاليتها تبقى محدودة زمنيًا إذا لم تُدعّم بمسارات إمداد بديلة فعالة.

وما يميز طرح ‘تريندز’ هو واقعيته، فهو لا ينطلق من افتراضات مثالية حول استقرار دائم، بل يبني توصياته على سيناريوهات اضطراب ممتد، حيث تصبح المرونة والتكيف السريع عنصرين حاسمين. وفي عالم تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد، تبدو هذه الرؤية أقرب إلى خريطة نجاة، لا تكتفي بتشخيص الخطر، بل ترسم مسارات عملية لتجاوزه.

كما تلفت الرؤية إلى أهمية المخزونات الاستراتيجية كأداة امتصاص للصدمات، لكنها تحذر في الوقت نفسه من الاعتماد المفرط عليها دون تطوير موازٍ لمسارات الإمداد، فالمخزون، مهما بلغ حجمه، يظل حلًا مؤقتًا ما لم يُدعم بشبكة إمداد مرنة ومتنوعة.

وتقدم ‘تريندز’ قراءة تتجاوز السطح إلى العمق، حيث لا يُنظر إلى مضيق هرمز كأزمة ظرفية، بل كعرض دائم لاختلالات أوسع في بنية أمن الطاقة العالمي. ومن خلال التركيز على الواقعية والجاهزية، تطرح هذه الرؤية معادلة جديدة: كلما تنوعت المسارات وتعزز التكامل، تراجع تأثير الجغرافيا كسلاح، وعاد المضيق إلى دوره الطبيعي كممر، لا كورقة ضغط.

وبهذا الطرح تعيد ‘تريندز’ صياغة النقاش حول مضيق هرمز من كونه نقطة اختناق إلى كونه اختبارا لقدرة الدول على الابتكار الاستراتيجي، حيث لا يكون السؤال: كيف نحمي الممر؟ بل كيف نقلل من الاعتماد عليه دون أن نفقد كفاءة الإمداد.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى