تحركات أوكرانية في القطب الشمالي تربك موسكو وتمنح الناتو ورقة استراتيجية
كشفت الحرب في أوكرانيا عن ثغرة مؤقتة في التمركز العسكري الروسي في أقصى الشمال، بعدما سحبت موسكو جزءاً كبيراً من قواتها المتمركزة في القطب الشمالي لدعم عملياتها على الجبهة الأوكرانية، حيث تكبدت تلك الوحدات خسائر فادحة.
وبينما لا يرى حلف شمال الأطلسي تهديداً عسكرياً روسياً وشيكاً في المنطقة حالياً، فإن تقديراته تشير إلى أن هذا الوضع مؤقت، وأن موسكو ستسعى إلى إعادة بناء قدراتها القطبية فور انحسار القتال، وفقا لموقع بيزنس إنسايدر.
وشكّلت شبه جزيرة كولا لعقود مركز الثقل العسكري الروسي في القطب الشمالي، نظراً لاحتضانها قواعد بحرية وجوية ومنشآت نووية استراتيجية. غير أن الحرب في أوكرانيا دفعت موسكو إلى نقل معظم قواتها البرية من المنطقة إلى ساحات القتال، في خطوة وصفها مراقبون بأنها أضعفت جاهزية وحداتها المتخصصة في العمليات القطبية.
وأشار خبراء في مؤسسة راند في تقرير حديث إلى أن قرار نشر موارد من أقصى الشمال إلى أوكرانيا أدى إلى “إضعاف الوحدات البرية القادرة على العمل في القطب الشمالي”، مؤكدين أن انتهاء الأعمال العدائية سيفتح المجال أمام روسيا لإعادة استثمار مواردها في وجودها العسكري هناك.

ويقول نائب الأدميرال رون أندرسن، رئيس القيادة المشتركة النرويجية، في تصريحات لموقع بيزنس إنسايدر، إن روسيا “عالقة في أوكرانيا” حالياً، ما يحد من قدرتها على إبراز قوتها العسكرية في المنطقة القطبية. إلا أن هذا التراجع لا يُقرأ في أوساط الحلف باعتباره تحولاً استراتيجياً دائماً، بل مرحلة انتقالية ستعقبها عملية إعادة بناء واسعة.
عودة إلى قواعد الحرب الباردة: استراتيجية روسية طويلة الأمد
الوجود الروسي المكثف في القطب الشمالي ليس وليد الحرب الأوكرانية، بل يعود إلى خطة بدأت منذ العقد الأول من الألفية، حين شرعت موسكو في إعادة إحياء قواعدها السوفيتية المهجورة. شملت هذه الخطوات تجديد مهابط الطائرات، وإعادة فتح منشآت أُغلقت بعد الحرب الباردة، وتعزيز نشر الغواصات انطلاقاً من شبه جزيرة كولا.
كما نشرت روسيا أنظمة دفاع صاروخي وزادت من وتيرة الدوريات الجوية والبحرية والمناورات العسكرية، وفق تقارير صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، الذي وثّق تصاعد النشاط العسكري الروسي في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
هذا التوسع عزز المخاوف لدى دول شمال أوروبا، خصوصاً النرويج، التي تتشارك حدوداً مباشرة مع روسيا في أقصى الشمال، وجعل أمن القطب الشمالي أولوية متقدمة على أجندة الناتو، لا سيما بعد انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف.
الناتو يستعد للأسوأ: استثمار في التكنولوجيا والتدريب القطبي
رغم غياب مؤشرات على صراع وشيك في القطب الشمالي، يعمل حلف الناتو على استغلال ما يصفه مسؤولوه بـ”المهلة الاستراتيجية” لتعزيز قدراته في بيئة تُعد ضمن الأكثر قسوة في العالم.
ويؤكد أندرسن أن الحلف في “مرحلة تتيح له فرصة التركيز على تعزيز القدرات”، مشدداً على أن التدريب في البيئة القطبية شرط أساسي للجاهزية القتالية هناك. ويضيف: “لا بد من التدريب هنا للقتال هنا. عملياً، الجنود الذين يمتلكون هذا التدريب وهذه المعدات هم الأهم في القطب الشمالي”.

وتشمل الاستثمارات الغربية تعزيز قدرات المراقبة عبر الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة، وتوسيع أساطيل كاسحات الجليد، وتطوير مركبات وأنظمة قادرة على العمل في درجات حرارة شديدة الانخفاض. كما زاد الحلفاء من وتيرة التدريبات العسكرية في أقصى الشمال.
ومن المقرر أن يشارك آلاف الجنود من دول الناتو في مناورات “الاستجابة للبرد” الدورية في شمال النرويج، وهي تدريبات مصممة لمحاكاة عمليات قتالية عالية الكثافة في بيئة قطبية، حيث تمثل البرودة القاسية وتحديات الإمداد عاملاً حاسماً لا يقل خطورة عن العدو.







