العلاقات الأمريكية الكوبية بين الانفتاح المحدود واحتمالات التصعيد
قد يكون القبض على الزعيم الكوبي راؤول كاسترو أكثر تكلفة وأقل فاعلية من اعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ويعد توجيه الاتهام إلى الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو بتهمة إصدار أوامر بإسقاط طائرتين تابعتين لمنظمة “إخوان الإنقاذ” عام 1996، بمثابة تحذير لقادة كوبا بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستعدة للتخلي عن الدبلوماسية لصالح العمليات العسكرية في سعيها لتغيير النظام، وفقا لما ذكرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية.
وأشار التحليل إلى أن لائحة الاتهام خطوة أخرى في حملة الضغط التي يشنها ترامب على هافانا، وهي حملة بدأت باعتقال القوات الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في 3 يناير/كانون الثاني.
وبعدها أمر ترامب بقطع شحنات النفط الفنزويلي إلى كوبا، وأصدر أمرًا تنفيذيًا يُهدد الدول الأخرى بفرض رسوم جمركية إذا ما قامت بتصدير النفط إليها، وفرض عقوبات ثانوية تهدد بفرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تُمارس أعمالًا تجارية مع الجزيرة.
الهدف الواضح هو خنق الاقتصاد الكوبي وإجبار قيادة البلاد على الخضوع لمطالب واشنطن.
ويظهر التشابه بين الإجراءين القانونيين بوضوح، إذ تم توجيه تهمة التآمر لتهريب المخدرات إلى مادورو في نيويورك وتهمة التآمر والقتل إلى كاسترو الذي يواجه أيضا تهديدات ضمنية بعملية مماثلة لاعتقاله من قبل القوات الخاصة الأمريكية.
ويلقي اتهام كاسترو بظلاله على المفاوضات المتعثرة أصلاً بين الحكومتين. وعلى الرغم من ثلاثة لقاءات مباشرة، لم تحرز المحادثات الدبلوماسية أي تقدم وفقًا لما ذكرته ليانيس توريس ريفيرا سفيرة كوبا لدى الولايات المتحدة التي قالت إن روبيو يطالب الكوبيين بتغيير نظام الحكم والقيادة، وهو ما يرفضونه باعتباره مسألة سيادة وطنية.
وأضافت لصحيفة “ذا هيل” إن “هذه هي الخطوط الحمراء”.
وخلال زيارةٍ حاسمة إلى هافانا في 14 مايو/أيار، وجه مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، إنذارًا نهائيًا إلى مسؤولي المخابرات الكوبية، بأن الوقت ينفد أمام هافانا للاستجابة لمطالب واشنطن أو تحمل العواقب.
وفي غضون ذلك، كثف المسؤولون الأمريكيون تبريراتهم العلنية للعمل العسكري.
ومنذ يناير/كانون الثاني، تزعم الإدارة الأمريكية أن كوبا تمثل “تهديدًا غير عادي” للولايات المتحدة، نظرًا لتحالف نظامها مع خصوم أمريكا واستضافته لهم، فضلًا عن جمعه معلومات استخباراتية إلكترونية ضد الولايات المتحدة لصالح روسيا والصين.
وخلال اجتماعاته في هافانا منتصف مايو/أيار، طالب راتكليف كوبا بوقف عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية من هذا النوع.
لكن لو كان التجسس سببًا للحرب، لكان النظام الدولي محكومًا عليه بـ”حرب شاملة”، لأن الجميع يتجسس على الجميع، صديقًا كان أم عدوًا، وفق “فورين بوليسي”.
وإذا لم يكن التنصت الإلكتروني ذريعة كافية، فقد ذكر موقع “أكسيوس” أن كوبا قد حصلت على 300 مسيرة عسكرية تشكل “تهديدًا متزايدًا” للولايات المتحدة، وسط مزاعم بوجود خطط لمهاجمة قاعدة غوانتانامو البحرية، والسفن البحرية الأمريكية، وكي ويست، الجزيرة الاستراتيجية في فلوريدا.
في المقابل، بذل المسؤولون الكوبيون قصارى جهدهم لنفي أي نية لديهم لمهاجمة الولايات المتحدة، مع تأكيدهم في الوقت نفسه على حقهم في امتلاك أسلحة دفاعية.
بدورها، كثفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) طلعات جمع المعلومات الاستخباراتية قبالة سواحل كوبا، ووصلت حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس نيميتز” إلى منطقة الكاريبي في 20 مايو/أيار في يوم استقلال كوبا.
ومؤخرا، نشرت القيادة الجنوبية الأمريكية مقطع فيديو على منصة “إكس” بعنوان “قاتل. دقيق. جاهز” أظهر طائرات ومروحيات ودبابات وسفن إنزال برمائية وقوات برية، وينتهي بصورة جوية لكوبا.
ضربة على غرار فنزويلا؟
ومن المرجح أن تنجح ضربة محدودة للقبض على كاسترو، رغم أنها قد تكون أكثر تكلفة من القبض على مادورو وأقل فاعلية، خاصة أن الزعيم الكوبي (95 عاما) تقاعد منذ نحو 10 سنوات.
ورغم نفوذه الكبير فإن كاسترو لا يدير شؤون البلاد بشكل يومي، لذا فإن رحيله لن يزعزع النظام مثلما حدث بعد اعتقال مادورو.
ولن تنجح 300 مسيرة كوبية في وقف الجيش الأمريكي، إذا قرر ترامب قصف كوبا، لكن لا يمكن تغيير النظام من الجو، خاصة وأنه لا توجد معارضة شعبية واسعة ومنظمة للحكومة على الأرض في كوبا.
وفي الوقت نفسه، فإن احتلال الجزيرة سيجعل إدارة ترامب مسؤولة عن كوبا المحتلة، حيث يعاني أكثر من 10 ملايين شخص من نقص حاد في الغذاء والدواء والوقود والكهرباء.
ويبدو أن بعض المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أنه إذا تدهور الوضع الاقتصادي بما فيه الكفاية، فإن الكوبيين سينتفضون ويطيحون بالحكومة بدلاً من الفرار.
في رسالة مصورة باللغة الإسبانية في 20 مايو/أيار، ألقى الرئيس روبيو باللوم في جميع المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد على قادتها، ونفى أي مسؤولية أمريكية، وكرر عرض واشنطن بتقديم 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية توزعها الكنيسة الكاثوليكية.
وفي اليوم نفسه، كان سفير كوبا لدى الأمم المتحدة، إرنستو سوبرون غوزمان، يحاول إبقاء المفاوضات جارية.
وقال لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية: “كوبا مستعدة للتحدث عن كل شيء مع الولايات المتحدة. لا يوجد موضوع محظور في محادثاتنا على أساس المعاملة بالمثل والمساواة”.
وعندما سُئل روبيو عن احتمالات التوصل إلى تسوية تفاوضية، قال “إن احتمالية حدوث ذلك، بالنظر إلى من نتعامل معه حاليًا، ليست عالية”.
ولا يزال من الممكن التوصل إلى اتفاق يخدم مصالح البلدين، لكن المفاوضات الناجحة تتطلب تنازلات، ويبدو، وفق “فورين بوليسي”، أن إدارة ترامب غير مهتمة بذلك، وتصر بدلًا من ذلك على تغيير النظام بالكامل بأي وسيلة ممكنة.







