سياسة

ألمانيا بين الذاكرة والتاريخ.. هدم بقايا مستشارية هتلر يشعل النقاش


بين أزمة سكن خانقة ورغبة في دفن شواهد الماضي النازي، تجد العاصمة الألمانية برلين نفسها في مواجهة مأزق تاريخي جديد.

ووفقا لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، تمضي سلطات المدينة قدماً في خطط هدم أحد آخر بقايا مقر قوة أدولف هتلر، الملجأ المحصّن الذي يعود للحقبة النازية، لإفساح المجال أمام تشييد مبنى سكني من 7 طوابق. 

هذه الخطوة، التي تؤكد عليها حكومة برلين بحجة توفير المساكن الضرورية، قوبلت بمعارضة شرسة من مؤرخين وخبراء حفاظ على التراث، وصفوا المشروع بأنه “جنون مطلق” يمحو أدلة تاريخية لا تعوض.

يقع الملجأ المستهدف في حي ميتّه، خلف مقر ولايتي هيسن وبراندنبورغ، وعلى مقربة من بوابة براندنبورغ الشهيرة. كان هذا المبنى جزءاً من مجمع مستشارية الرايخ الجديدة التي صممها المهندس ألبرت شبير، والذي تعرض لدمار هائل في معركة برلين بنهاية الحرب العالمية الثانية، قبل أن تأمر القوات السوفييتية بهدمها بالكامل عام 1949. 

واليوم، لم يتبق من مركز التخطيط الذي انطلقت منه شرارة الحرب سوى هذا الملجأ، الذي ظل شاهداً صامتاً على الأنقاض لعقود. وبينما لا يزال الملجأ في حالة إنشائية ممتازة بجدران وأسقف يبلغ سمكها 1.7 متر ومساحة تصل إلى 1200 متر مربع، يرى المسؤولون أن زمنه قد ولى.

صراع الذاكرة.. هدم آخر بقايا مستشارية هتلر يثير جدلا بألمانيا - صورة 1

معركة بين السكن العاجل وخطر “المزارات”

صرّح وزير الإسكان في برلين، كريستيان غابلر، بأن المدينة لن تعرقل مشاريع الإسكان الجديدة لمجرد الحفاظ على هيكل قد يتحول إلى مزار للمتطرفين. 

يأتي هذا الموقف في ظل تفاقم أزمة السكن وارتفاع الإيجارات، حيث تبحث برلين عن أي أراضٍ شاغرة لتعويض النقص الحاد في الوحدات السكنية. ويشير المسؤولون إلى وجود عشرات المواقع التاريخية الأخرى المفتوحة للجمهور، مما يقلل، في نظرهم، من أهمية الإبقاء على هذا الملجأ تحديداً. 

غير أن هذه الحجة لم تقنع المعترضين، وفي مقدمتهم ديتمار أرنولد، رئيس جمعية “برلين أندرورلدز”، الذي وصف القرار في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية بأنه “جنون مطلق”، مؤكداً أن “هذا هو موقع الجناة، مركز قوة ألمانيا النازية، وهذه آخر بقاياه. لقد دُمر الكثير من تاريخنا الشيوعي والنازي، ولا يمكننا الاستمرار في هذا النهج”.

مطلب التحول إلى نصب تذكاري

تقترح جمعيات التراث والمؤرخون بدائل تسمح بالبناء فوق الملجأ دون هدمه، مستفيدين من متانته الاستثنائية، أو تحويله إلى متحف ونصب تذكاري، لتسليط الضوء على عمليات النظام النازي ونهاية الحرب. 

الملجأ الذي شهد انتحار هتلر وإيفا براون، كان مخصصاً للموظفين ثم حُوّل إلى مستشفى عقب الحرب، قد صُنّف من قبل مجلس برلين الحكومي للآثار والمكتب الاتحادي لحماية الآثار التاريخية كموقع ذي قيمة تاريخية كبيرة. 

وشدد المجلس على أن المستشارية مثلت “مركز التخطيط ونقطة انطلاق الحرب العالمية الثانية، وترمز إلى النهاية الكارثية للنظام النازي”، مطالباً بتقييم الموقع وإدراجه في قائمة المباني المحمية.

توتر ألماني متجدد بين المحو والحفظ

صراع الذاكرة.. هدم آخر بقايا مستشارية هتلر يثير جدلا بألمانيا - صورة 2

يعكس هذا الجدل توتراً أعمق في ألمانيا حول كيفية التعامل مع الإرث المعماري المرتبط بأحلك فترات تاريخها. ففيما يخشى البعض من أن يصبح الموقع قبلة للمتطرفين، يؤكد المنتقدون أن تفكيك مثل هذه الصروح يقلص فرص التثقيف والمواجهة النقدية مع الماضي. 

وقد سبق أن نجحت مدن ألمانية أخرى في دمج ملاجئ ومبانٍ تاريخية حساسة في مشاريع تطوير حديثة دون طمسها بالكامل، مما يثبت أن التوازن بين الحفاظ على الذاكرة وتلبية احتياجات الحاضر ليس مستحيلاً. 

ومع استمرار برلين في المضي قدماً بمخططها، تبقى الأنقاض الأخيرة لمستشارية هتلر معلقة بين مطرقة النسيان وسندان التطوير، في انتظار حكم نهائي قد يحدد كيف تختار ألمانيا تذكر جراحها.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى