غياب غامض لمجتبى خامنئي.. هل تتصاعد المنافسة داخل هرم السلطة؟
تخوض العشائر الأوليغارشية المتنفذة داخل النظام الإيراني حربا صامتة لكنها شرسة ضد بعضها البعض، وسط مؤشرات قوية على أن هذا الصراع قد ينزلق قريبا عن نطاق السيطرة ليقوض الهيكل السياسي للنظام برُمّته، وفقاً لتقرير تحليلي موسع نشرته صحيفة “التلغراف” البريطانية.
وأكد الخبيران في الشؤون الإيرانية، كسرى أعرابي (مدير أبحاث الحرس الثوري في معهد “متحدون ضد إيران النووية”) وسعيد جولكار (المستشار الأقدم للمعهد والأستاذ المشارك في جامعة تينيسي) في مقالهما المنشور بالصحيفة، أن المعركة الراهنة لا تدور حول الأيديولوجيا أو التوجه المستقبلي للجمهورية الإسلامية. فالأطراف المتناحرة كلها تنتمي للتيار الإسلامي الشيعي، سواء ارتدى أقطابها العمائم أو البذلات الرسمية أو الزي العسكري.
ويرى مقال تلغراف ان يجمع هذه الفصائل قاسم مشترك يتمثل في الإيمان بالمبادئ الأساسية للنظام: الفرض القسري للشريعة محليا، دعم شبكة الفصائل المسلحة الإقليمية المعروفة باسم “محور المقاومة”، معاداة الولايات المتحدة، والسعي لإلغاء وجود إسرائيل انطلاقا من خلفية أيديولوجية متأصلة.
لكن خلف هذا الستار العقائدي الموحد، تشتعل مواجهة كسر عظم لحماية وتوسيع النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية الهائلة، مستغلة الفراغ الناجم عن غياب المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، والذي كان يمثل “العرّاب” الضامن للتوازن بين تلك العشائر.
مجلس الخبراء.. مسرح الصراع غير المتوقع
وحسب القراءة التي نشرتها صحيفة “التلغراف”، فإن أحدث تجليات هذا الاقتتال الداخلي تفجرت في موقع لم يكن مألوفاً فيه هذا النوع من الصدام العلني: “مجلس خبراء القيادة”، وهي الهيئة المكونة من 88 رجل دين وتتولى نظرياً تعيين المرشد الأعلى ومراقبة أدائه.
وفي خطوة غير مسبوقة، خرج 73 عضواً من المجلس – الذي لطالما عُرف بالصمت والانصياع – ببيان علني انتقدوا فيه بشكل غير مباشر طريقة إدارة “المجلس الأعلى للأمن القومي” للمفاوضات الجارية مع واشنطن ومذكرة التفاهم الموقعة مؤخرا.
وألمح الموقعون إلى أن المسؤولين السياسيين والأمنيين تخطوا “الخطوط الحمراء” التي وضعها المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي.
وجاء في نص البيان الذي نُشر بالفارسية: “يجب على جميع المسؤولين احترام أنه في نظام ولاية الفقيه، فإن رأي وتوجيهات المرشد الأعلى هي الحاسمة. وبمجرد إبلاغهم بالرأي القاطع للمرشد، لا يجوز لأي مسؤول التصرف بما يخالف ذلك”.
عقب النشر، سارع رئيس أمانة مجلس الخبراء ومتحدثه الرسمي، آية الله هاشم حسيني بوشهري، إلى النأي بنفسه عن الخطوة، معلناً عدم علمه المسبق بالبيان. ورغم أنه لم يعترض على المضمون، إلا أنه انتقد خرق الموقعين للعُرف المعمول به ونشره دون التنسيق معه.
لكن المثير للانتباه – وفقاً لما نقلته الصحيفة – هو أن كبار قيادات الأمانة العامة للمجلس، ومن بينهم آية الله موحدي كرماني، وآية الله أعرافي، وآية الله أراكي، وآية الله رجبي، كانوا في طليعة الموقعين. ولم يتخلف عن التوقيع سوى ثلاثة أعضاء فقط من الأمانة العامة، من بينهم بوشهري نفسه.
ويشير المحللان إلى أن خروج هذا الصراع إلى العلن داخل أهم هيئة دينية يعكس حجم القلق الدفين لدى طبقة رجال الدين. فمجلس الخبراء يمثل الحارس الأمين لامتيازات الموزعين بين السياسة والاقتصاد، والتي كانت محمية ومحصنة تماماً تحت مظلة سلطة علي خامنئي المطلقة.
مجتبى خامنئي.. سلطة غائبة وشرعية هشة
تغيرت هذه المعادلة جذرياً مع صعود ابنه وخليفته مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى. فإلى جانب افتقاده للكاريزما والسلطة المعنوية التي كان يتمتع بها والده، جاء غيابه التام عن المشهد العام ليعمق الفراغ السياسي ويزيد من وتيرة التكهنات.
وكان مجتبى قد تولى منصب المرشد الأعلى في أعقاب ضربة صاروخية قُتل فيها والده، وأصيب هو نفسه بجروح (بحسب تقرير لوكالة فرانس برس أوردته التلغراف في سياق المادة)، وهو ما يفسر غيابه الجسدي ويفسر في الوقت ذاته حالة الذعر التي تعتري رجال الدين خوفاً من انهيار مكانة المرشد وما يترتب عليها من تهديد لمصالحهم.
وفي الوقت الراهن، يُستغل اسم مجتبى كـ “غراء سياسي” مؤقت؛ حيث تتذرع الفصائل المتنافسة بسلطته الغائبة لردع خصومها أو لتبرير قراراتها، تجنباً لصدام مباشر وشامل حول رأس الهرم.
غير أن أعرابي وجولكار يصفان هذا الترتيب بالهش؛ فالسلطة التي لا تتجسد في حضور مادي مرئي لا يمكنها الصمود طويلاً، خاصة في نظام سياسي قائم تاريخياً على الحضور الشخصي للمرشد لإدارة التوازنات بين النخب.
يُحذر التقرير المنشور في “التلغراف” من أن استمرار غياب مجتبى خامنئي، لاسيما إذا تخلف عن الظهور في المراسم الرسمية الكبرى كجنازة والده، سيعطي دفعة قوية للتكهنات حول وضعه الصحي، مما قد يعجل بتحرك الفصائل للتحضير لأزمة “انتقال سلطة ثانية”.
ولن تكون هذه الأزمة مجرد بحث عن بديل لرجل واحد، بل ستضع الجمهورية الإسلامية أمام معضلة هيكلية كبرى: كيف يمكن لنظام صُمم ليدور حول سلطة الرجل الواحد المطلقة أن يستمر إذا عجز هذا الرجل عن فرض النظام والسيطرة على الأجنحة التي تتغذى على وجوده؟
ويخلص التحليل إلى أن بيان مجلس الخبراء ليس حدثاً عابراً، بل هو جرس إنذار يشي بتحول عميق في موازين القوى. فالطبقة الدينية، والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري، والبيروقراطية الأمنية، كلها تصيغ استراتيجيات بديلة لحماية مكتسباتها في ظل ضعف المركز.
وإذا كانت الصراعات الحالية تُدار تحت سقف “الخلاف حول المفاوضات”، فإن نظام ما بعد علي خامنئي بات مكشوفاً وأكثر عرضة من أي وقت مضى لصدام علني وعنيف قد يتحول سريعاً من تباين حول السياسة الخارجية إلى معركة كبرى ومفتوحة حول من يملك حق حكم إيران.







