من هو محمود الإبياري؟ قيادي إخواني على قائمة العقوبات
ظل لسنوات يدير مفاصل التنظيم الدولي للإخوان من خلف الستار، قبل أن تضعه واشنطن في دائرة الضوء وتوجه ضربة جديدة لشبكات الجماعة.
إنه محمود الإبياري، الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية، والذي يوصف بأنه “العقل المدبر” لشبكات التنظيم.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية أدرجت، الخميس، محمود الإبياري الذي يحمل الجنسية النمساوية ويقيم في بريطانيا، على قائمة العقوبات، في خطوة استهدفت كذلك ثلاثة أفراد وثلاثة كيانات قالت الوزارة إن جماعة الإخوان استخدمتها كواجهات لتمويل أنشطتها وتمويل حركة حماس الفلسطينية.
وبموجب القرار، سيتم تجميد أي أصول مالية للإبياري تقع ضمن الولاية القضائية الأمريكية.
كما يُحظر على المواطنين والشركات الأمريكية التعامل معه أو مع الأشخاص والكيانات المشمولة بالعقوبات، وهو ما يمثل ضربة مباشرة لإحدى أبرز الشخصيات التي تدير ملفات التنظيم الدولي وشبكاته المالية.
فمن هو محمود الإبياري؟
تقول مصادر مطلعة على شؤون الإخوان إن الإبياري الذي يُوصف أيضا بـ”مهندس تمويل الجماعة “يُعد في الوقت الراهن أحد أهم قادتها”.
وأشارت المصادر إلى أن دوره لا يقتصر على تولي منصب الأمانة العامة للتنظيم الدولي فقط، بل يطمح لأن يكون القائم بعمل المرشد العام للإخوان.
ووفق المصادر نفسها، فإن نفوذ الإبياري المولود عام 1952 لم يتشكل بين ليلة وضحاها، بل امتد لعقود داخل جماعة الإخوان.
وانضم الإبياري للإخوان في ستينيات القرن الماضي ضمن ما عُرف بـ”تنظيم 1965″ الذي قاده سيد قطب قبل أن يفر من مصر إلى أوروبا.
وفي أوروبا استقر في النمسا وشارك في تأسيس وبناء شبكات الجماعة التنظيمية إلى جانب عدد من أبرز قياداتها بينهم أنس الشقفة، وإبراهيم الزيات، ويوسف ندا، وسعيد رمضان صهر مؤسس الإخوان حسن البنا.
ومع مرور الوقت، حصل الإبياري على الجنسية النمساوية، ولعب دورا بارزا في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات والمنظمات المرتبطة بالإخوان في النمسا وبريطانيا، متنقلا بين فيينا ولندن، حيث واصل صعوده داخل هرم التنظيم الدولي.
من خلف الستار
وعلى خلاف كثير من قيادات الجماعة الإرهابية، فضّل الإبياري إدارة الملفات الحساسة من خلف الستار، مبتعدا عن الظهور الإعلامي.
كما احتفظ بنفوذ واسع لا سيما خلال فترة عمله إلى جانب الأمين العام السابق للتنظيم الدولي إبراهيم منير، الذي تولى لاحقا منصب القائم بأعمال المرشد منذ أواخر 2020 وحتى وفاته في 2022.
وبحسب المصادر ذاتها، كان الإبياري هو المتحكم الفعلي، فيما لم يكن منير يتخذ أي قرار دون مراجعته.
واقتصرت المعلومات المتداولة عنه على ارتباطه بإدارة عدد من الشركات والمؤسسات التي عملت من لندن.
وعُرف بأنه مدير شركة “نايل فالي ترست” وشركة “علامات ميديا سيرفيسز”، وكلتاهما مسجلتان في: 113 كريكلوود برودواي بالعاصمة البريطانية، وهو العنوان الذي يضم أحد أبرز مكاتب جماعة الإخوان في لندن، والمعروف بأنه أحد المكاتب التابعة للتنظيم الدولي.
فضلا عن إدارة موقع “رسالة الإخوان” أحد المواقع الإعلامية لهم في الغرب، والإشراف على المجموعة البريدية التي استخدمتها الجماعة في تنسيق اتصالاتها الداخلية والخارجية.
كشفت أن هذه المجموعة ما هي إلا إحدى الجهات التنظيمية المسؤولة عن التواصل مع الإعلاميين، موضحة أن التكليفات كانت تُنقل لأقطار التنظيم الدولي للإخوان عبر الأمانة العامة التي كان هو المحرك الفعلي لها بالتنسيق مع إبراهيم منير.
الإبياري إلى الواجهة
بعد 2013 وهو العام الذي سقط فيه حكم الإخوان بمصر، انتقل الإبياري تدريجيا من دائرة العمل السري إلى مساحة أكثر حضورا، بعد سنوات قضاها في إدارة الملفات التنظيمية بعيدا عن الأضواء
خلال تلك الفترة، شارك في عدد من اللقاءات الإعلامية والتنظيمية، وانضم إلى مجموعة من قيادات الجماعة التي تولت إدارة شؤون الإخوان في الخارج، وضمّت كلا من:
- إبراهيم منير.
- يوسف ندا، المفوض السابق للعلاقات الدولية للإخوان سابقا.
- جمعة أمين عبد العزيز نائب المرشد.
- محمود حسين، عضو مكتب الإرشاد والأمين العام للجماعة (أمين التنظيم المصري وهو بخلاف التنظيم الدولي).
واضطلعت هذه المجموعة بقيادة الحملة السياسية والإعلامية التي شنتها الجماعة ضد الدولة المصرية.
اللعب على وتر الانقسامات
وفي ذروة الأزمة الداخلية التي عصفت بالجماعة، شهد عام 2015 أحد أكبر الانقسامات في تاريخ الإخوان، إثر الخلاف بين القائم بأعمال المرشد محمود عزت ورئيس اللجنة الإدارية العليا الأولى محمد كمال.
وخلال تلك المواجهة، لعب الإبياري دورا مؤثرا من خلف الكواليس في دعم إجراءات فصل وتجميد عضوية القيادات المحسوبة على جبهة محمد كمال، بما عزز نفوذ الجبهة التي كان ينتمي إليها داخل التنظيم.
وفي الوقت نفسه، انخرط في تحركات أخرى استهدفت تحسين صورة الجماعة في الخارج، بالتزامن مع إعداد لجنة بريطانية تقريرا لتقييم أنشطة الإخوان داخل المملكة المتحدة.
وفي تلك الفترة، نشر سلسلة من المقالات المدافعة عن الإخوان، كما أجرى اتصالات مع عدد من الجهات، بينها جهات استخباراتية بريطانية، بهدف إقناع الحكومة البريطانية بعدم تصنيف الإخوان كتنظيم إرهابي، وهو ما تحقق آنذاك.
علاقات مع إيران
ولم تقتصر تحركاته على الساحة الأوروبية، إذ ارتبط اسم الإبياري -أيضا- بتنسيق العلاقات بين جماعة الإخوان وإيران. بحسب المصادر نفسها.
وتمثل دوره في ترتيب لقاءات بين الجانبين ضمن ما يُعرف بـ”منتدى الوحدة الإسلامية”، فضلا عن مشاركته في عدد من الاجتماعات المشتركة التي جمعت الطرفين خلال السنوات الماضية.
الطموح لقيادة الجماعة
ومع تصاعد الصراع داخل التنظيم الدولي للإخوان، ازداد نفوذ الإبياري بعد القبض على محمود عزت عام 2020، ثم وفاة إبراهيم منير في 2022، ليتولى هو منصب الأمين العام للتنظيم، ويصبح أحد أبرز المتحكمين في ملفات التنظيم والتمويل وشبكات أوروبا، في تقرير سابق نشرته عام 2023.
وبعد وفاة منير في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، عمل الإبياري مع آخرين من قيادة جبهة لندن على هندسة عملية تولي صلاح عبد الحق، منصب القائم بعمل المرشد، رغم أن الأخير لم يكن عضوا في مجلس شورى الجماعة أو مكتب الإرشاد، وكان بعيدا عن المشهد القيادي لفترة طويلة، بعدما اقتصر دوره لعقود على الإشراف على جهاز التربية داخل التنظيم الدولي.
وبحسب ما تردد داخل أوساط الجماعة، كانت حسابات الإبياري ومجموعته تقوم على الإبقاء على إدارة الملفات الأساسية داخل دائرة ضيقة من القيادات، مع منح صلاح عبد الحق الواجهة الرسمية، بما يضمن استمرار سيطرتهم على مفاصل التنظيم وموارده.
غير أن هذه الترتيبات لم تمنع تصاعد الخلافات الداخلية، إذ نشب صراع بين الإبياري وعدد من قيادات جبهة لندن، بينهم حلمي الجزار، نائب القائم بأعمال المرشد والمشرف على القسم السياسي، ومحيي الدين الزايط، نائب القائم بأعمال المرشد وعضو مجلس شورى الجماعة، خلال الفترة بين عامي 2023 و2024.
وقتها، لوح الإبياري بالانحياز إلى جبهة إسطنبول التي يقودها محمود حسين، القائم بأعمال المرشد في تلك الجبهة، لكنه تراجع بعد تفاهمات مع صلاح عبد الحق وقيادة جبهة لندن.
معركة النفوذ والموارد
ولم تقتصر الخلافات داخل الجماعة على الصراع السياسي، بل امتدت إلى ملف الأموال والشبكات التنظيمية، حيث تجددت الأزمة عام 2025 بسبب الخلاف حول أموال رابطة الإخوان المصريين في الخارج، وهي كيان تنظيمي عابر للحدود مرتبط بالتنظيم المصري.
وفي هذا السياق، حاول الرئيس السابق للرابطة، السعدني أحمد، السيطرة على مكاتب الرابطة في أوروبا والحصول على التمويل الشهري الذي يتم تحويله عبر تلك المكاتب.
إلا أن الإبياري استخدم شبكاته وعلاقاته داخل القارة الأوروبية لفصل مكاتب الرابطة هناك عن قيادة السعدني أحمد، وإعادة ربطها بقطاع أوروبا التابع للتنظيم الدولي.
وبهذه الخطوة، ازداد نفوذ الإبياري داخل الهيكل التنظيمي للإخوان، ليصبح أحد أبرز الشخصيات المسيطرة على جانب من التنظيم الدولي.
إضافة إلى تأثيره في بعض دوائر التنظيم المصري، وهو ما عزز طموحه في الوصول إلى موقع القائم بأعمال المرشد بعد انتهاء فترة صلاح عبد الحق، في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
غير أن هذا الطموح اصطدم بتحركات داخلية مضادة، حيث عارض حلمي الجزار ومحيي الدين الزايط مساعي الإبياري، وسعيا إلى الحد من فرص وصوله إلى المنصب، مستندين إلى طرح مفاده أن موقعه التنظيمي المرتبط بالتنظيم الدولي وامتلاكه للجنسية النمساوية قد يشكل عائقا أمام توليه منصبا داخل التنظيم المصري.
وفي المقابل، حاول الإبياري تجاوز هذه العقبات بالاعتماد على شبكة علاقاته داخل الجماعة، وعلى اعتباره مصري الأصل، فضلا عن الدفع بأن الظروف الاستثنائية التي تمر بها الجماعة تستدعي تجاوز بعض القيود التنظيمية القديمة المتعلقة بشروط تولي منصب المرشد أو القائم بأعماله.
بيد أن حسابات “رجل الظل” في الإخوان، لم تسر كما كان يخطط لها، إذ جاءت العقوبات الأمريكية الأخيرة لتشكل ضربة قاسية له وللجماعة، بعدما أصبح اسمه مرتبطا بإجراءات مالية وقانونية تحد من قدرته على التحرك داخل الشبكات التي عمل لسنوات على بنائها.







