خروج مشرّف.. المغرب يثبت حضوره بين عمالقة كرة القدم
فرض المنتخب الفرنسي أفضليته الفنية والتكتيكية على نظيره المغربي، وحقق فوزًا مستحقًا بهدفين دون رد، في مواجهة أكد خلالها ‘الديوك’ تفوقهم على معظم فترات اللقاء، بينما ودّع أسود الأطلس المنافسة بخروج مؤلم بعد أداء اتسم بالروح القتالية، لكنه لم يكن كافيًا لمجاراة الإيقاع الفرنسي.
صمود مغربي وبونو يتألق
وبدأ المنتخب الفرنسي المباراة بضغط هجومي مكثف وسيطرة واضحة على وسط الملعب، مستفيدًا من الاستحواذ والتحركات السريعة، في وقت اضطر فيه المدرب المغربي محمد وهبي إلى إجراء تعديلات على تشكيلته الأساسية بسبب غياب لاعب الوسط إسماعيل صيباري بسبب الإصابة، الأمر الذي انعكس على التوازن التكتيكي للفريق.
واكتفى المنتخب المغربي بالتراجع الدفاعي والاعتماد على المرتدات، بينما واصل الفرنسيون محاصرة مناطق الأسود وصناعة الفرص.
وجاءت أبرز لحظات الشوط الأول في الدقيقة 25 عندما احتسب الحكم ركلة جزاء لفرنسا بعد عرقلة نصير مزراوي لكيليان مبابي داخل منطقة الجزاء، إلا أن الحارس ياسين بونو واصل تألقه وتصدى ببراعة للمحاولة، محافظًا على التعادل السلبي.
واستمرت المحاولات الفرنسية حتى نهاية الشوط الأول، لكن يقظة بونو والانضباط الدفاعي المغربي حالا دون اهتزاز الشباك، لينتهي النصف الأول من المباراة دون أهداف رغم الأفضلية الواضحة لأصحاب المبادرة.
ثنائية فرنسية تحسم المواجهة
ودخل المنتخب الفرنسي الشوط الثاني بنفس النسق الهجومي، ونجح أخيرًا في فك شفرة الدفاع المغربي عند الدقيقة 59، عندما تمكن كيليان مبابي من افتتاح التسجيل بتسديدة لم يتمكن ياسين بونو من التصدي لها.
ورد الجهاز الفني المغربي بإجراء تبديلات مباشرة في الدقيقة 60، عبر الدفع بنورالدين مرابط لتعزيز خط الوسط، وسفيان رحيمي لتنشيط الخط الأمامي، في محاولة لاستعادة التوازن والعودة إلى أجواء المباراة.
غير أن الرد الفرنسي جاء سريعًا، إذ أضاف عثمان ديمبيلي الهدف الثاني في الدقيقة 65، ليعيد إلى الأذهان سيناريو المواجهة التي جمعت المنتخبين في مونديال قطر 2022، ويمنح ‘الديوك’ أفضلية مريحة حتى صافرة النهاية.
وشهدت الدقائق المتبقية ضغطًا فرنسيًا متواصلًا، وسط ارتباك واضح في صفوف المنتخب المغربي، فيما نجح المنتخب الفرنسي في فرض جدار دفاعي وتنظيم تكتيكي محكم، أغلق جميع المنافذ أمام محاولات الأسود، مع سرعة في التحول بين الدفاع والهجوم جعلت السيطرة الفرنسية تبدو شبه مطلقة في مختلف أرجاء الملعب.
ولم تؤتِ التغييرات التكتيكية التي اعتمدها المدرب المغربي ثمارها، إذ فشل المنتخب في استعادة زمام المبادرة أو تهديد المرمى الفرنسي بشكل فعّال، في ظل التفوق البدني والفني والتنظيمي الذي أظهره لاعبو فرنسا طوال الشوط الثاني.
وبهذا الانتصار، يؤكد المنتخب الفرنسي أحقيته بالفوز بعد عرض متكامل تُوّج بثنائية حملت توقيع كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي، فيما ينتهي مشوار أسود الأطلس بخروج مؤلم، بعدما اصطدموا بمنتخب فرنسي استحق الفوز عن جدارة واستحقاق.
سيناريو مونديال 2022 يتكرر
وأعاد الصدام الناري بين المنتخبين المغربي والفرنسي في ربع نهائي مونديال 2026 للأذهان ذكريات ملحمة استاد البيت في قطر 2022، ليتكرر السيناريو ذاته بتفاصيله الدرامية الحابسة للأنفاس وعقدته المستعصية أمام ‘الديوك’. ولم يكن اللقاء مجرد مباراة عادية في دور الثمانية، بل جاء بمثابة نسخة كربونية واجه فيها ‘أسود الأطلس’ نفس الواقعية الفرنسية الصارمة التي تبدد الأحلام العربية في الأمتار الأخيرة.
وفي بوسطن، تكررت ملامح المشهد القطري؛ استبسال دفاعي مغربي بقيادة الحارس ياسين بونو الذي ذاد عن مرماه ببسالة وتصدى لركلة جزاء من كيليان مبابي في الشوط الأول لتشتعل المدرجات وتتجدد الآمال، تماماً كما كان يفعل الأسود في الملاعب القطرية أمام كبار أوروبا.
غير أن الدقائق الست المجنونة في الشوط الثاني أعادت كتابة الفصول الحزينة لذات الرواية؛ حيث نجح مبابي في فك الشفرة المغربية بالدقيقة 60 بهدف مقوس، قبل أن يطلق عثمان ديمبيلي رصاصة الرحمة بالهدف الثاني في الدقيقة 66 من تسديدة أرضية زاحفة، لتستنسخ فرنسا تفوقها التكتيكي وتؤكد عقدتها التاريخية للمنتخبات العربية.
ولم يقتصر هذا التكرار على النتيجة الرقمية فحسب، بل امتد ليعكس الأجواء الجماهيرية الصاخبة والدعم العربي الجارف الذي رافق الأسود في الملاعب الأميركية، محولاً اللقاء إلى مواجهة بطابع “بيتوتي” دافئ أعاد للأذهان ليالي الدوحة التاريخية.
ورغم المرارة التي خلفتها الثنائية الفرنسية السريعة وتبدد حلم العبور إلى المربع الذهبي مجدداً، فإن تكرار السيناريو أثبت أن وصول المغرب إلى هذه الأدوار المتقدمة لم يعد طفرة عابرة أو وليد الصدفة، بل هو تكريس لمكانة الكرة المغربية والعربية كرقماً صعباً وثابتاً في المحافل العالمية، حتى وإن ظلت العقدة الفرنسية عصية على الانكسار للمرة الثانية توالياً بين قطر وأميركا.







