تسريب رقمي يضع أسراراً عسكرية روسية في متناول الجميع
في خطوة تعكس تحولًا لافتًا في أساليب إدارة الحرب الحديثة، أطلقت أوكرانيا منصة رقمية جديدة تحمل اسم «تروفي لاب».
المنصة تهدف إلى تحويل الأسلحة والمعدات الروسية التي استولت عليها قواتها إلى مصدر مفتوح للمعلومات الفنية والاستخباراتية، بما يتيح لشركائها الغربيين دراسة هذه المنظومات وتطوير وسائل أكثر فاعلية لمواجهتها.
تأتي المبادرة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، في وقت باتت فيه المعرفة التقنية عنصرًا لا يقل أهمية عن السلاح نفسه في حسم المعارك، بحسب موقع بيزنس إنسايدر.
وتضم المنصة قاعدة بيانات تفصيلية تشمل أكثر من 150 نموذجًا من الأسلحة والمعدات التي جرى الاستيلاء عليها في ساحات القتال، بينها صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة هجومية واستطلاعية، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي ومركبات مدرعة ومنظومات حرب إلكترونية.
وتهدف كييف من خلال هذا المشروع إلى توحيد المعلومات الفنية التي جمعتها وحداتها العسكرية وتحويلها إلى مرجع رقمي يخدم المؤسسات الدفاعية ومراكز الأبحاث والصناعات العسكرية داخل أوكرانيا وخارجها.

وكشف يوري ميرونينكو، المفتش العام لوزارة الدفاع الأوكرانية، أن المنصة استقطبت خلال أسبوعها الأول نحو 150 مستخدمًا، شكّل فيها الأجانب قرابة ثلث طلبات التسجيل، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الدولي بالمبادرة.
وأوضح أن المشروع لا يقتصر على دراسة الأسلحة الروسية، بل يشمل أيضًا معدات عسكرية كورية شمالية تستخدمها القوات الروسية، الأمر الذي يوسع من القيمة الاستخباراتية للمنصة ويمنح الشركاء الغربيين فرصة لفهم منظومات تسليح متعددة من خلال مصدر واحد.
ويمثل «تروفي لاب» تحولًا في آلية تبادل المعلومات العسكرية بين أوكرانيا وحلفائها. فبعد أن كانت البيانات تُنقل سابقًا عبر قنوات ثنائية وبصورة منفصلة بين القيادات العسكرية، اتجهت كييف خلال العام الماضي إلى رقمنة هذه المعلومات وإدماجها في منصة موحدة تتيح وصولًا أسرع وأكثر كفاءة إلى البيانات الفنية، بما يدعم سرعة اتخاذ القرار وتطوير الحلول الدفاعية.
وصُممت المنصة لتخدم طيفًا واسعًا من المستخدمين، يشمل الوحدات العسكرية، والهيئات الحكومية، ومراكز الأبحاث، وشركات الصناعات الدفاعية الأوكرانية، إضافة إلى الحكومات الأجنبية وشركات التسليح والمختبرات المتخصصة في دول حلف شمال الأطلسي.
ويرى المسؤولون الأوكرانيون أن تبادل هذه المعلومات يحقق منفعة متبادلة، إذ تمتلك كييف خبرة ميدانية واسعة في التعامل مع الأسلحة الروسية، بينما تتمتع المؤسسات البحثية الغربية بإمكانات تقنية متقدمة لتحليل مكونات هذه المنظومات بدقة أكبر، خصوصًا في مجالات البصريات والإلكترونيات وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية.
ويغطي المشروع مختلف أنواع الأسلحة المستخدمة في الحرب، مع تحديث مستمر لقاعدة البيانات كلما استولت القوات الأوكرانية على معدات جديدة.
من بين أبرز النماذج المعروضة الصاروخ الباليستي الكوري الشمالي «كيه إن-23»، الذي استخدمته روسيا خلال الحرب، في مؤشر على أن المنصة لا تقتصر على الأسلحة الروسية، بل تشمل أيضًا التقنيات العسكرية التي حصلت عليها موسكو من حلفائها.
وتضم المنصة حاليًا أكثر من 225 مشروعًا بحثيًا مكتملًا، مع توقعات بارتفاع هذا العدد مع استمرار العمليات العسكرية.

وأكد وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف أن «تروفي لاب» يتيح لشركاء أوكرانيا الوصول إلى تقنيات الأسلحة التي جرى الاستيلاء عليها، معتبرًا أن كل صاروخ أو طائرة مسيرة أو مركبة يتم الاستيلاء عليها يتحول إلى مصدر للمعرفة يمكن توظيفه في تطوير وسائل دفاع أكثر كفاءة.
وأضاف أن ما كان يمثل ميزة تقنية سرية للقوات الروسية أصبح اليوم مادة للتحليل والاختبار، بما يسهم في تقليص الفجوة التقنية بين موسكو والدول الداعمة لكييف.
وبعد التحقق من هوية المستخدمين، توفر المنصة وصولًا إلكترونيًا على مدار الساعة إلى الوثائق والبيانات الفنية، كما تتيح تقديم طلبات للحصول على عينات مادية من بعض المعدات لإجراء اختبارات متخصصة أو تحليل مكوناتها بصورة أعمق.
ويأمل القائمون على المشروع أن يؤدي هذا النهج إلى تسريع تطوير الإجراءات المضادة، مستفيدين من التجربة الأوكرانية الواسعة في تحليل الأسلحة الروسية والطائرات المسيّرة خلال سنوات الحرب.
وفي ظل التحول المتسارع نحو الحروب القائمة على التكنولوجيا والبيانات، تمثل «تروفي لاب» نموذجًا جديدًا للتعاون العسكري والاستخباراتي، إذ تحول الغنائم الحربية من مجرد معدات معطلة إلى قاعدة معرفية متكاملة تسهم في تطوير التقنيات الدفاعية وتعزيز جاهزية أوكرانيا وحلفائها لمواجهة التهديدات المستقبلية.







