متابعات إخبارية

إغلاق المضيق يعيد رسم خريطة النفوذ الروسي في آسيا


في خضم الاضطرابات التي تضرب أسواق الطاقة العالمية، تتحرك موسكو لاستثمار المتغيرات الجيوسياسية من أجل توسيع حضورها في جنوب شرق آسيا.

  وتستفيد موسكو من تداعيات أزمة إمدادات النفط والغاز وتراجع الدور الأمريكي في إدارة تداعياتها. 

وفي هذا السياق، اكتسبت قمة قازان، التي استضافتها روسيا الأسبوع الماضي، أهمية استثنائية، بعدما تحولت إلى منصة لتعزيز الشراكة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” في مرحلة تتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وفقا لموقع “ريسبونسبل ستيت كرافت”. 

وجمعت القمة قادة عدد من دول “آسيان” برئاسة الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن، احتفالًا بمرور 35 عامًا على العلاقات الدبلوماسية و30 عامًا على الشراكة الحوارية بين الجانبين. 

واختُتمت بإصدار بيان مشترك شدد على أهمية بناء نظام دولي متعدد الأقطاب قائم على القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، في إشارة إلى توجه مشترك نحو تنويع الشراكات الاستراتيجية بعيدًا عن الاستقطاب التقليدي.

ورغم أن التعاون بين روسيا و”آسيان” يمتد لسنوات، فإن توقيت القمة منحها زخمًا خاصًا، مع تفاقم أزمة الطاقة الناتجة عن التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي دفع دول المنطقة إلى البحث عن مصادر أكثر استقرارًا لتأمين احتياجاتها من الطاقة.

«المضيق المغلق» يفتح طريق روسيا نحو آسيا.. إعادة توزيع النفوذ - صورة 1

اقتصاديًا، ارتفع حجم التبادل التجاري بين روسيا ودول “آسيان” من نحو 18 مليار دولار عام 2015 إلى قرابة 30 مليار دولار في عام 2025، مدفوعًا بتوجه موسكو نحو الأسواق الآسيوية بعد العقوبات الغربية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. وتتمثل أبرز الصادرات الروسية في النفط والفحم والأسمدة والحبوب، مقابل استيراد الإلكترونيات والآلات والمنتجات الصناعية من دول التكتل.

ومع ذلك، يبقى هذا الحضور التجاري محدودًا مقارنة بالعلاقات الاقتصادية التي تربط “آسيان” بكل من الصين والولايات المتحدة، إذ يتجاوز حجم التجارة مع بكين تريليون دولار، فيما يبلغ مع واشنطن نحو 580 مليار دولار، وهو ما يؤكد أن النفوذ الروسي لا يزال يعتمد بصورة أكبر على قطاعات محددة، وفي مقدمتها الطاقة.

وكان أمن الطاقة الملف الأبرز على جدول أعمال القمة، حيث أكد الرئيس فلاديمير بوتين أن الشراكة مع “آسيان” تمثل عنصرًا مهمًا لاستقرار منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فيما اتفق الجانبان على توسيع التعاون في مجالات الغاز الطبيعي المسال والطاقة المتجددة والهيدروجين والطاقة النووية، بما يعزز تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الإمدادات التقليدية.

وتأتي هذه الخطوات في وقت تواجه فيه عدة دول في جنوب شرق آسيا تحديات متزايدة في تأمين احتياجاتها من الوقود، إذ أعلنت الفلبين حالة الطوارئ الوطنية في قطاع الطاقة بسبب اعتمادها الكبير على واردات النفط من الخليج، بينما تعرضت تايلاند وفيتنام وإندونيسيا لاضطرابات في سلاسل الإمداد، ما دفع مانيلا إلى طرح مبادرات لتعزيز التنسيق الإقليمي في مجال أمن الطاقة.

وفي المقابل، رأت موسكو في هذه التطورات فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي، خاصة في ظل الانتقادات التي طالت واشنطن بشأن تعاملها مع الأزمة، بعد منح الهند استثناءات لشراء النفط الروسي، في حين لم تحظ دول أخرى في جنوب شرق آسيا بدعم مماثل، قبل أن تعيد الولايات المتحدة تشديد العقوبات بصورة مفاجئة.

كما حملت القمة بُعدًا دبلوماسيًا لافتًا، بعدما استجاب الرئيس بوتين لطلب نظيره الفلبيني بالإفراج عن 24 مواطنًا فلبينيًا كانوا محتجزين في سيبيريا، في خطوة عززت صورة موسكو كشريك يعتمد على الدبلوماسية المباشرة وتحقيق نتائج عملية، وهو أسلوب يحظى بتقدير في العديد من دول المنطقة.

ورغم الزخم الذي حققته قمة قازان، فإن الحديث عن حلول روسيا محل الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا يظل مبالغًا فيه، نظرًا لافتقار موسكو إلى الإمكانات الاقتصادية والاستثمارية والوجود الأمني الذي تتمتع به واشنطن أو الصين. غير أن الأزمات غالبًا ما تفتح المجال أمام إعادة توزيع النفوذ، وهو ما تحاول روسيا استغلاله عبر توسيع تعاونها في ملفات الطاقة والاقتصاد والدبلوماسية.

ويرى الموقع أن قمة قازان تعكس استراتيجية روسية تقوم على استثمار التحولات الدولية لتعزيز حضورها التدريجي في جنوب شرق آسيا، بينما تبرز في الوقت ذاته تحديًا أمام الولايات المتحدة، التي باتت مطالبة ليس فقط بمواصلة منافستها مع الصين، وإنما أيضًا بمنع تشكل فراغات جيوسياسية تمنح موسكو فرصًا إضافية لتعزيز نفوذها في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية. 

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى