تحقيقات

كيف تحوّل الاقتصاد إلى أحد أهم أدوات الإخوان في إعادة التموضع الإقليمي؟


لم تعد الصراعات المرتبطة بالتنظيمات الأيديولوجية في الشرق الأوسط تدار بالوسائل التقليدية وحدها. فخلال العقود الماضية كانت المواجهة تدور في الغالب حول الخطاب السياسي، أو النشاط الحزبي، أو الحشد الجماهيري، أو التأثير الإعلامي. أما اليوم، فقد انتقلت المنافسة إلى ساحات أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً، حيث بات الاقتصاد والاستثمار والأعمال العابرة للحدود أحد أهم ميادين الصراع على النفوذ والتأثير.

ويبرز هذا التحول بشكل واضح عند دراسة الاستراتيجية التي اتبعتها جماعة الإخوان خلال السنوات الأخيرة. فمع تراجع حضورها السياسي المباشر في عدد من الدول العربية، وارتفاع مستوى الرقابة على الأنشطة التنظيمية التقليدية، وجدت الجماعة نفسها أمام ضرورة البحث عن أدوات جديدة تضمن استمرار شبكاتها وقدرتها على الحركة والتأثير. ومن هنا بدأ الاقتصاد يحتل موقعاً متقدماً داخل منظومة العمل الإخوانية في الخارج.

لم يعد السؤال المطروح اليوم يتعلق فقط بقدرة الجماعة على استقطاب الأنصار أو الحفاظ على قواعدها التنظيمية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرتها على بناء مصادر تمويل مستقرة وشبكات مصالح اقتصادية تمنحها هامشاً واسعاً من الحركة. فالتنظيم الذي يمتلك شبكة من الشركات والاستثمارات والعلاقات المالية الدولية يصبح أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات السياسية من التنظيم الذي يعتمد فقط على النشاط الحزبي أو الدعوي.

ومن منظور سياسي، يمثل هذا التحول نقلة مهمة في طبيعة الصراع بين الدول والتنظيمات العابرة للحدود. فالدول باتت تواجه كيانات لا تعمل فقط في المجال السياسي، بل تتحرك أيضاً داخل الأسواق المالية وقطاعات الاستثمار والعقار والخدمات. وهذا ما يجعل أدوات المواجهة التقليدية أقل فاعلية، لأن النشاط الاقتصادي يتحرك ضمن أطر قانونية وتجارية يصعب التعامل معها بالوسائل الأمنية وحدها.

وتشير العديد من المعطيات إلى أن جماعة الإخوان أدركت مبكراً أهمية الاقتصاد بوصفه أحد مفاتيح النفوذ المستقبلي. فالشركات لا توفر التمويل فقط، بل تمنح أيضاً القدرة على بناء شبكات علاقات مع رجال أعمال ومستثمرين ومؤسسات مالية ومراكز نفوذ اقتصادية في عدد من الدول. ومع مرور الوقت تتحول هذه العلاقات إلى رصيد سياسي غير مباشر يمكن استثماره في أوقات الأزمات أو التحولات الكبرى.

وفي هذا السياق، برزت مجموعة من الشركات التي تعمل في مجالات الاستثمار والعقار وإدارة الأصول، بعضها يحمل أسماء ذات طابع عربي أو خليجي مألوف لدى المستثمرين. ويعتقد مراقبون أن اختيار هذه الأسماء لا يقتصر على الاعتبارات التجارية وحدها، بل يندرج أحياناً ضمن استراتيجية تهدف إلى تعزيز الثقة واستقطاب شرائح محددة من المستثمرين الذين يبحثون عن مشاريع تبدو قريبة من بيئتهم الثقافية والاقتصادية.

وتحظى شركة “ياس للاستثمار والعقار” باهتمام خاص في هذا الإطار، ليس فقط بسبب طبيعة نشاطها، وإنما أيضاً بسبب النقاشات التي أثيرت حول خلفيات بعض الشخصيات المرتبطة بها. ويرى متابعون أن أهمية هذه القضية تكمن في كونها تعكس نموذجاً أوسع يعتمد على تأسيس شركات تعمل في بيئات اقتصادية مفتوحة، مع الاستفادة من السمعة الإيجابية التي تتمتع بها بعض العلامات والأسماء المرتبطة بالنجاح الاقتصادي في المنطقة.

ومن بين الأسماء التي تتكرر في هذا الملف عبد الرحمن الجابري، الذي تشير تقارير متعددة إلى دوره في إدارة عدد من الأنشطة الاستثمارية. ويذهب منتقدو الجماعة إلى أن الجابري يمثل جزءاً من شبكة أوسع تسعى إلى إعادة بناء النفوذ الإخواني خارج المنطقة العربية من خلال أدوات اقتصادية واستثمارية أكثر هدوءاً وأقل إثارة للانتباه من الأدوات السياسية التقليدية.

كما يبرز اسم أحمد الشيبة الذي يتم تقديمه في بعض المنصات الإعلامية بصفات فكرية أو تربوية، بينما يرى خصومه أنه يمارس نشاطاً سياسياً وإعلامياً يستهدف التأثير على الرأي العام وتوجيهه نحو مواقف تتماشى مع أجندات الجماعة. وتكتسب هذه الشخصية أهمية إضافية بسبب ارتباطاتها الاجتماعية والعائلية التي تعكس نمطاً متكرراً داخل البنية التنظيمية للإخوان، حيث تلعب المصاهرات والعلاقات الأسرية دوراً في تعزيز التماسك الداخلي واستمرار الثقة بين مختلف الأطراف.

ويظهر كذلك اسم حمد محمد الشامسي ضمن دائرة الشخصيات التي يجري الحديث عنها في سياق الاجتماعات واللقاءات التي عقدت خارج المنطقة العربية بين أفراد محسوبين على الجماعة أو قريبين من دوائرها التنظيمية. ويرى بعض الباحثين أن هذه اللقاءات تعكس محاولات مستمرة لإعادة تنظيم الصفوف وبناء شبكات تعاون جديدة تتناسب مع المرحلة الحالية.

لكن البعد السياسي الحقيقي لهذا الملف لا يكمن في أسماء الأفراد وحدها، بل في طبيعة الشبكات التي يجري بناؤها حولهم. فالتقارير التي تتحدث عن وجود منظومة تضم عدداً من الشركات والمؤسسات الاقتصادية في أوروبا تشير إلى أن الجماعة لم تعد تفكر بمنطق التنظيم التقليدي فقط، بل أصبحت تتحرك بمنطق الشبكات العابرة للحدود التي تجمع بين الاقتصاد والسياسة والإعلام والعلاقات الاجتماعية.

وتكتسب هذه الشبكات أهمية خاصة لأنها تمنح الجماعة قدرة على إنتاج النفوذ بصورة غير مباشرة. فبدلاً من الظهور في صورة تنظيم سياسي يسعى إلى التأثير في الأحداث، تصبح جزءاً من منظومة اقتصادية واسعة تضم مستثمرين وشركات ومؤسسات تعمل في مجالات متعددة. وهذا التحول يجعل عملية رصد النفوذ أو قياسه أكثر صعوبة، لأن التأثير لا يمارس عبر القنوات السياسية المعتادة، بل من خلال شبكة معقدة من المصالح والعلاقات.

ومن الناحية السياسية، يمثل هذا الواقع تحدياً متزايداً أمام الدول العربية والأوروبية على حد سواء. فالدول العربية تنظر إلى هذه الشبكات باعتبارها امتداداً لتنظيمات تتبنى أجندات سياسية تتعارض مع استقرارها، بينما تجد الدول الأوروبية نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين حماية حرية الاستثمار من جهة، وضمان عدم استغلال البيئة الاقتصادية المفتوحة في بناء شبكات نفوذ عابرة للحدود من جهة أخرى.

كما أن التوسع في النشاط الاقتصادي يمنح الجماعة فرصة لتجاوز كثير من القيود التي واجهتها في المجال السياسي. فبينما يمكن مراقبة الأحزاب والجمعيات بسهولة نسبية، يصبح تتبع شبكة من الشركات والاستثمارات والعقارات أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما تكون موزعة بين عدة دول وتعمل في قطاعات مختلفة.

وفي المقابل، دفعت هذه التطورات العديد من الحكومات إلى التركيز بشكل أكبر على ملفات الشفافية المالية ومكافحة غسل الأموال والكشف عن المستفيد الحقيقي من الشركات. وأصبح التعاون بين الجهات الأمنية والرقابية والمالية أحد أهم أدوات مواجهة الشبكات التي تستخدم الاقتصاد كوسيلة لبناء النفوذ أو إعادة إنتاجه.

ويرى عدد من الخبراء أن المرحلة المقبلة ستشهد تصاعداً في أهمية هذا النوع من المواجهات. فالتنظيمات الأيديولوجية تدرك أن النفوذ السياسي المستدام يحتاج إلى قاعدة اقتصادية قوية، بينما تدرك الدول أن حماية الاستقرار لم تعد مرتبطة فقط بالأمن التقليدي، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالأمن الاقتصادي والمالي.

ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يجعل الاقتصاد يحتل موقعاً متزايد الأهمية في الصراع بين الدول والتنظيمات العابرة للحدود. فالمعركة لم تعد تدور حول الأفكار والخطابات فقط. بل أصبحت تدور أيضاً حول رؤوس الأموال والشركات والعقارات وشبكات المصالح التي تمتد من مدينة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى.

وفي النهاية، يبدو أن جماعة الإخوان، مثل غيرها من التنظيمات العابرة للحدود، دخلت مرحلة جديدة تعتمد فيها على أدوات أكثر تعقيداً من السابق. مرحلة لا يكون فيها الاقتصاد مجرد وسيلة للتمويل، بل أداة لإعادة التموضع وبناء النفوذ وتوسيع دوائر التأثير. ومع استمرار هذا التحول، ستبقى الأسئلة مطروحة حول قدرة الدول على مواكبة هذه التغيرات، وحول مستقبل العلاقة بين السياسة والاقتصاد في معركة النفوذ التي تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى