متابعات إخبارية

الفرات يهدد مناطق سورية: حالة طوارئ وتحركات احترازية في عدة محافظات


تشهد محافظتا دير الزور والرقة شمال شرق سورية حالة استنفار غير مسبوقة، دفعت وزارة الدفاع‎ ‎السورية إلى استنفار عدة تشكيلات وإدارات، بالإضافة إلى المؤسسات الخدمية والجهات المعنية لاتخاذ إجراءات طارئة لحماية السكان والمرافق الحيوية، بعد الارتفاع الحاد ‏بمنسوب نهر الفرات.

ومنذ أيام تتسلل المياه وتجرف عدداً من القرى والأحياء والمنازل والمزارع في محيط مجرى نهر الفرات، بدءاً من ريفي جرابلس وكوباني في أقصى شمال البلاد، حيث يدخل النهر الأراضي السورية، بينما ازدادت الخسائر والأضرار في معظم القطاعات المحيطة في ريفي الرقة ودير الزور، حيث ازداد معدل الفيضان بسبب وقوعها بعد سدي تشرين والفرات.

ويأتي ذلك بسبب ارتفاع كميات المياه الواردة عبر نهر الفرات من أعالي الحوض المائي، نتيجة زيادة التصريف من السدود داخل الأراضي التركية، ضمن إجراءات تشغيل مرتبطة بارتفاع مستويات التخزين.

وبحسب مصادر محلية، بلغت التدفقات نحو 2000 متر مكعب في الثانية، وهو رقم يتجاوز القدرة الاستيعابية الطبيعية لمجرى النهر داخل سوريا، المقدّرة بحوالي 1000 متر مكعب في الثانية ضمن الحدود التشغيلية الآمنة.

وهذا الضغط المائي انعكس مباشرة على ضفاف النهر والمنشآت المائية، وصولاً إلى سد الفرات في مدينة الطبقة، حيث ارتفع منسوب البحيرة بشكل سريع، ما دفع الجهات المشغّلة إلى فتح المفيضات لتخفيف الضغط على جسم السد.

ومع زيادة التصريف، اندفعت كميات ضخمة من المياه نحو الرقة ثم دير الزور، لتبدأ مرحلة الغمر الواسع للمناطق المنخفضة والأراضي الزراعية المحاذية للنهر.

وخلال الساعات الماضية، خرجت عدة محطات مياه عن الخدمة، وفصلت خطوط كهربائية مهددة بالغمر، فيما تتسارع التحذيرات الرسمية من فيضان قد يتجاوز مستوياته الطبيعية، وسط اجتماعات طارئة وعمليات إجلاء واستحداث سواتر ترابية في سباق مع الوقت لاحتواء الأزمة.

وأكدت وزارة الدفاع أنها ستسهم وعبر كل الإمكانيات المتاحة في مساعدة الجهات المحلية والوزارات الأخرى في محافظة دير الزور. للوقوف على الاحتياجات المطلوبة في محافظة دير الزور، وذلك بالتنسيق مع وزارة الطوارئ بعد الارتفاع الحاد بمنسوب نهر الفرات.

وأوضحت أنها تجري حاليا عمليات إخلاء ورفع للسواتر في عدة مناطق وقرى بالمحافظة، فيما تستمر الأصول العسكرية التي يمكن استعمالها في الوصول إلى المحافظة.

وبحسب معطيات محلية، اضطرت تركيا إلى فتح بوابات سد أتاتورك بمعدل تدفق يُقدّر بنحو 2000 متر مكعب في الثانية، وهو رقم يفوق بكثير معدلات التدفق المعتادة خلال السنوات الماضية، ما تسبب بارتفاع سريع في مناسيب المياه الواصلة إلى الأراضي السورية.

ولم يعد ارتفاع المياه حدثا موسميا عابرا بالنسبة لسكان دير الزور، بل تحول خلال أيام إلى أزمة معيشية وإنسانية كشفت هشاشة البنية التحتية في المحافظة، بعد انهيار معابر مؤقتة وتوقف حركة العبور بين ضفتي المدينة.

ومع ازدياد كميات المياه الواردة عبر الفرات، انهار جسر ترابي وآخر حربي أُقيما خلال السنوات الماضية كحلول إسعافية بديلة عن الجسور المدمرة، ما أدى إلى عزل منطقتي “الشامية” و”الجزيرة”، فيما توقفت حركة العبارات والقوارب لاحقاً بسبب ارتفاع الأمواج وخطورة الملاحة النهرية.

ورغم تأكيد الجهات المختصة أن سدود تشرين والطبقة والمنصورة ما تزال ضمن الحدود الفنية الآمنة، فإن الأزمة أعادت إلى الواجهة ملف الجسور المدمرة في شرق سوريا، والتي لم تخضع حتى الآن لإعادة تأهيل جذرية رغم أهميتها الحيوية للسكان.

ويقف الأهالي اليوم أمام واقع يومي معقد فرضته أزمة العبور، حيث يقول أحد سكان دير الزور قرب موقع الجسر المنهار: “أصبحت المدينة شطرين. لا نستطيع العبور من الشامية إلى الجزيرة، وحتى العبارات توقفت لأن الوضع خطر. أقرب جسر صالح يبعد أكثر من 60 كيلومترا، وهذه مسافة مرهقة للناس، خاصة المرضى والطلاب.”

ويضيف آخر “نشعر أن دير الزور تُترك دائماً في آخر الأولويات. الجسور الموجودة مؤقتة وغير آمنة، ومع أي ارتفاع للمياه تنهار مباشرة. الناس تريد حلولاً حقيقية، لا ترقيعات مؤقتة.”

وفي شهادة أخرى، عبر أحد الأهالي عن معاناته بعد توقف المعابر، قائلا “إذا كان لدى أحدنا مريض يحتاج إلى مستشفى في الطرف الآخر، كيف سيعبر؟ هذه ليست أزمة يوم أو يومين، بل مشكلة مستمرة منذ سنوات.”

وتشير معطيات محلية إلى أن معظم جسور الفرات في دير الزور والرقة تعرضت للتدمير خلال العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة عام 2017، بينما اقتصرت أعمال الإصلاح لاحقاً على حلول إسعافية مؤقتة، كاستخدام الردميات الترابية أو إنشاء معابر بديلة لم تصمد أمام ضغط المياه الحالي.

وفي الجانب الإنساني، ارتفع عدد ضحايا حوادث الغرق المرتبطة بارتفاع منسوب النهر إلى سبعة أشخاص، بينهم ستة أطفال، وسط تحذيرات متكررة من الاقتراب من مجرى الفرات أو السباحة خلال هذه الفترة.

ومع استمرار الأزمة، تتصاعد مطالب الأهالي بإطلاق مشاريع عاجلة لإعادة بناء جسور الفرات وتأهيل البنية التحتية في المحافظة، باعتبارها أولوية تمس الحياة اليومية والتنقل والخدمات الأساسية لمئات آلاف السكان على ضفتي النهر.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى