تحقيقات

كيف تناولت جماعة الإخوان مفهوم الجهاد عبر تاريخها؟


لطالما ارتكز فكر الإخوان على إخراج المفاهيم الدينية عن دلالاتها لتوظيفها في خدمة أجندتهم المبنية بالأساس على ثنائية الدم والسلطة.

ويعتبر خبراء سياسيون فرنسيون متخصصون في الشأن الديني والتنظيمات السياسية المتطرفة أن مفهوم “الجهاد” داخل فكر الجماعة لم يبق مجرد مفهوم ديني أو روحي.

وأجمعوا على أنه أعيد توظيفه تدريجيًا ليصبح أداة سياسية وأيديولوجية تستخدم في الصراع على السلطة، وفي هندسة الخطاب التعبوي الموجه للجماهير. 

ونشرت إذاعة “راديو فرنسا” حلقة نقاشية مع المؤرخ والمتخصص في الإسلاميات ياسين سلامة، تناولت تطور مفهوم “الجهاد” في فكر الإخوان، وكيف أعيد تفسيره عبر مراحل تاريخية وسياسية مختلفة منذ تأسيس الجماعة عام 1928. 

وقال سلامة إن هذا المفهوم، رغم جذوره الدينية الواسعة والمتعددة الدلالات، تم اختزاله تدريجيًا في بعض السياقات التاريخية ليُفهم باعتباره فعلًا عسكريًا بالأساس، قبل أن يعاد توظيفه ضمن سياقات سياسية واجتماعية متغيرة.

بين الدين والتوظيف

في قراءته، يقول أوليفييه روا، الباحث الفرنسي المتخصص في الإسلام المعاصر والتطرف بـ”المعهد الجامعي الأوروبي” في فلورنسا، إن مفهوم “الجهاد” في الفكر الإخواني لم يكن ثابتًا بل خضع لعمليات تأويل متكررة.

ويوضح روا، أنه بينما يحمل المصطلح في أصله معنى “الجهد الروحي والأخلاقي”، جرى توسيعه ليشمل أشكالًا متعددة من الصراع، بدءًا من الدعوة والإصلاح الاجتماعي، وصولًا إلى “المقاومة” ذات الطابع السياسي أو المسلح في بعض السياقات التاريخية.

وأشار إلى أن هذا التحول لم يكن نظريًا فقط، بل ارتبط مباشرة بمراحل الصراع السياسي في العالم العربي، خصوصًا خلال فترات الاستعمار، ثم صعود الأنظمة السلطوية، وأخيرًا مرحلة العولمة.

من الدعوة إلى “التمكين”

وفقاً للباحث الفرنسي، فإنه “في المرحلة التأسيسية للجماعة مع حسن البنا، كان الجهاد يطرح ضمن تصور إصلاحي تدريجي يهدف إلى بناء الفرد والمجتمع”، لكن مع تطور التنظيم لاحقًا، خصوصًا في كتابات سيد قطب، تحول المفهوم إلى إطار أكثر صدامية، حيث أصبح يُقرأ ضمن ثنائية “الجاهلية” و”الطليعة المؤمنة”

وبحسب روا المتخصص في الإسلام السياسي، فإن هذه النقلة الفكرية أسست لخطاب سياسي جديد داخل الإسلام السياسي، يقوم على إعادة تعريف المجتمع والدولة، واعتبار الصراع مع السلطة جزءًا من مشروع “التغيير الشامل”.

من جهته، يعتبر الباحث الإسلام السياسي فرانسوا بورغا أن “الإسلام السياسي، خاصة في تجربة الإخوان، أعاد صياغة المفاهيم الدينية ضمن مشروع مقاومة اجتماعية وسياسية للأنظمة القائمة، ما جعل الجهاد مفهومًا مرنًا يستخدم بحسب السياق، دعويًا، سياسيًا، أو تعبويًا”.

ويقول بورغا إن “شخصيات مثل يوسف القرضاوي وعبد الله عزام ساهمت في إعادة صياغة مفهوم الجهاد بما يتناسب مع سياقات مختلفة”.

ولفت إلى أن “الجهاد لم يعد مجرد مفهوم نظري، بل أصبح أداة تعبئة سياسية ودينية تُستخدم لحشد الأنصار، وتبرير أشكال مختلفة من المقاومة المسلحة في إطار دفاعي وفق هذا التصور”.

خطاب تعبوي وتحريضي

الباحث الفرنسي أوضح أن “الإخوان اعتمدوا على مجموعة من الأدوات الأيديولوجية في توظيف مفهوم الجهاد، من أبرزها إعادة تأويل النصوص الدينية بما يخدم السياق السياسي، والخطاب التدريجي الذي يجمع بين الدعوة والإعداد السياسي”.

كما اعتمدوا على “توظيف التعليم والدعوة كوسيلة لبناء قاعدة اجتماعية داعمة، والمرونة التنظيمية التي تسمح بالتكيف مع الأنظمة المختلفة”.

ورأى الباحث الفرنسي أن “هذه الأدوات سمحت للجماعة بتحويل المفهوم من إطار ديني إلى لغة سياسية مرنة، قابلة للاستخدام في سياقات متعددة”.

وأكد بورغا أن “مفهوم الجهاد داخل بعض الخطابات الإخوانية استخدم أيضًا كأداة تعبئة جماهيرية، حيث يقدم كواجب ديني وأخلاقي للدفاع عن الهوية أو الأمة”.

وأوضح أن “هذا الخطاب يتغير بحسب السياق السياسي، فمرة يُطرح كجهاد إصلاحي سلمي، ومرة أخرى كمقاومة ضد الاحتلال أو السلطة، ما يمنحه قدرة عالية على التأثير والتعبئة”.

تباينات 

بحسب بورغا، فإن الفكر الإخواني لا يختزل في اتجاه واحد، بل يتأرجح بين مسارات أبرزها التشدد الأيديولوجي في بعض التيارات الفكرية، والبراغماتية السياسية التي تتكيف مع الواقع.

ورأى أن هذا التعدد الداخلي جعل مفهوم الجهاد نفسه مجالًا مفتوحًا للتأويل، وليس مفهومًا ثابتًا أو موحدًا.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى