أوروبا تفرض قيوداً على شخصيات مرتبطة بحكم الأسد
قرر الاتحاد الأوروبي تجديد القيود المفروضة على أفراد وكيانات مرتبطة بإدارة الرئيس السوري السابق بشار الأسد الذي أطيح به في ديسمبر/ كانون الأول 2024، لمدة عام إضافي، حيث لا تزال تتمتع بنفوذ حتى الآن في البلاد وتشكل خطرا على العدالة الانتقالية في البلاد التي تعيش تداعيات حرب استمرت 14 عاما انعكست على السلم الأهلي.
وقال المجلس الأوروبي في بيان الاثنين “يعتقد الاتحاد الأوروبي أن شبكات مرتبطة بنظام الأسد السابق لا تزال تحتفظ بنفوذها وتشكل خطرا على العملية الانتقالية وتعرقل الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة الوطنية والمحاسبة”.
وأضاف البيان “يخضع المدرجون على القائمة لتجميد الأصول ويحظر على مواطني وشركات الاتحاد الأوروبي تقديم أي أموال لهم. كما يخضع الأفراد لحظر سفر يمنعهم من دخول دول الاتحاد الأوروبي أو العبور منها”.
ويعزز الاتحاد الأوروبي في ذات الوقت علاقاته مع الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، وافق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على استئناف العلاقات التجارية مع سوريا، وإعادة العمل باتفاقية تعاون كانت قد علقت في 2011. وأشار البيان إلى رفع سبع مؤسسات من قائمة العقوبات من ضمنها وزارتا الداخلية والدفاع السوريتين، معتبرا أن هذا القرار “سيسهم في تعزيز علاقات الاتحاد الأوروبي مع سوريا”.
وكانت عقوبات الاتحاد الأوروبي على سوريا بدأت في مايو/أيار 2011 عقب اندلاع الحرب.
وشملت العقوبات إجراءات فردية مثل حظر السفر وتجميد الأصول بحق أشخاص مرتبطين بالنظام، ومتهمين بانتهاكات حقوق الإنسان، بدءا من الأسد وصولا إلى وزراء وشخصيات بارزة في دائرته الضيقة.
وتكتسب مسألة محاسبة رموز نظام الأسد أهمية محورية في مسار الانتقال السياسي في سوريا، باعتبارها أحد الشروط الأساسية لبناء دولة مستقرة بعد أكثر من أربعة عشر عاما من الحرب والانتهاكات الواسعة التي طالت ملايين السوريين. فمع استمرار نفوذ شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق داخل البلاد، تتزايد المخاوف من أن يؤدي غياب المساءلة إلى إعادة إنتاج منظومة الحكم السابقة بوجوه جديدة وتقويض أي محاولة لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية.
وتأتي قرارات الاتحاد الأوروبي بتجديد العقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق في سياق الضغط الدولي لمنع إفلات المسؤولين عن الانتهاكات من العقاب، خصوصا مع اتهام النظام السابق بارتكاب جرائم قتل وتعذيب وتهجير قسري واستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين خلال سنوات النزاع. وترى أطراف دولية وحقوقية أن استمرار هذه الشخصيات في ممارسة النفوذ السياسي أو الاقتصادي يشكل تهديدا مباشرا لمسار العدالة الانتقالية ويغذي مشاعر الاحتقان وعدم الثقة بين السوريين.
وتعد العدالة الانتقالية من أهم الأدوات التي تعتمدها الدول الخارجة من النزاعات لإعادة بناء المؤسسات وترميم النسيج الاجتماعي. وفي الحالة السورية، لا تقتصر المحاسبة على الجانب القضائي فحسب، بل تشمل أيضا كشف الحقيقة وتعويض الضحايا وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية التي ارتبطت بالانتهاكات. فغياب هذه الخطوات قد يدفع الضحايا وذويهم إلى الشعور بأن التغيير السياسي لم يحقق العدالة المنشودة، ما يهدد بظهور موجات جديدة من التوتر والعنف.
كما أن المحاسبة الدولية تمثل عاملا مهما في ظل تعقيدات المشهد السوري وصعوبة إجراء محاكمات شاملة داخل البلاد في المرحلة الحالية. وقد شهدت دول أوروبية خلال السنوات الماضية محاكمات لمسؤولين سابقين في أجهزة النظام السوري استنادا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو ما اعتبره حقوقيون خطوة مهمة لكسر ثقافة الإفلات من العقاب وإرسال رسالة بأن الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم.
وفي المقابل، تواجه عملية المحاسبة تحديات سياسية وأمنية كبيرة، أبرزها الانقسامات الداخلية، واستمرار وجود شبكات نفوذ اقتصادية وأمنية مرتبطة بالنظام السابق، إضافة إلى مخاوف بعض الأطراف من أن تؤدي المحاكمات الواسعة إلى زعزعة الاستقرار أو تعطيل مؤسسات الدولة. إلا أن العديد من الخبراء يرون أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون عدالة، وأن تجاهل الانتهاكات قد يؤدي إلى ترسيخ الانقسام المجتمعي وإضعاف الثقة بأي عملية سياسية مستقبلية.
وفي ظل المرحلة الحساسة التي تمر بها سوريا بعد سقوط النظام السابق، تبدو المحاسبة جزءا أساسيا من أي عملية انتقال سياسي ناجحة، ليس بهدف الانتقام، بل لضمان عدم تكرار المأساة وبناء دولة تقوم على القانون والمؤسسات والمواطنة، بما يحقق الاستقرار والسلم الأهلي على المدى الطويل.







