تحقيقات

قصف مستشفى الضعين: مأساة إنسانية جديدة تكشف عمق الكارثة في دارفور


في واحدة من أكثر الهجمات دموية التي طالت منشأة طبية منذ اندلاع الحرب في السودان، قُتل ما لا يقل عن 39 شخصاً، بينهم 9 أطفال، وأُصيب 78 آخرون بينهم نساء، إثر قصف استهدف مستشفى الضعين بولاية شرق دارفور مساء الجمعة. وبينما لا تزال فرق الإنقاذ تبحث بين الأنقاض عن ناجين محتملين، تتزايد المخاوف من ارتفاع عدد الضحايا في ظل وجود أشخاص عالقين تحت الركام، وفق ما أفادت به مصادر طبية ومحلية في المدينة.

الحادثة التي هزت الرأي العام السوداني أعادت تسليط الضوء على الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من عامين، وعلى المخاطر المتزايدة التي تهدد المدنيين، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية مثل إقليم دارفور.

ضحايا داخل أقسام الأطفال والنساء

بحسب إفادات مصادر طبية في المستشفى، فإن غالبية الضحايا سقطوا داخل أقسام الأطفال والنساء أثناء تلقيهم العلاج. وأشارت هذه المصادر إلى أن لحظة القصف كانت مزدحمة بالمرضى والمرافقين، ما أدى إلى وقوع عدد كبير من القتلى والجرحى في وقت قصير.

المعلومات الأولية تشير إلى أن الضربة أصابت بشكل مباشر أقسام الأطفال والنساء والتوليد داخل المستشفى، وهي أقسام تُعد من أكثر الوحدات حساسية في أي منشأة طبية. وقد أدى الانفجار إلى انهيار أجزاء من المبنى، وتدمير معدات طبية أساسية كانت تُستخدم لعلاج المرضى.

شهود عيان قالوا إن دوي الانفجار كان عنيفاً للغاية، وتبعه انتشار كثيف للغبار والركام داخل المستشفى، ما تسبب في حالة من الذعر بين المرضى والطواقم الطبية. وأضافوا أن بعض الجرحى ظلوا لساعات تحت الأنقاض قبل أن تتمكن فرق الإسعاف والمتطوعون من إخراجهم.

طائرة مسيّرة وراء القصف

وبحسب مصادر طبية وشهود عيان، فإن الهجوم نُفذ بواسطة طائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني، في إطار العمليات العسكرية المتصاعدة في المنطقة خلال الأيام الأخيرة.

وأكدت المصادر أن طبيعة الانفجار وحجم الدمار يشيران إلى استخدام ذخائر دقيقة التوجيه، وهو ما يتوافق مع الهجمات التي تنفذها الطائرات المسيّرة في النزاعات الحديثة.

ويأتي هذا القصف في وقت تشهد فيه عدة مناطق في دارفور تصعيداً عسكرياً ملحوظاً، مع استمرار الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما يضع المدنيين في قلب الصراع ويعرضهم لمخاطر متزايدة.

ويرى مراقبون أن استخدام الطائرات المسيّرة في مناطق مأهولة بالسكان يزيد من احتمال وقوع ضحايا بين المدنيين، خاصة عندما تكون الأهداف قريبة من منشآت خدمية مثل المستشفيات أو المدارس.

إدانات سياسية واسعة

أثارت حادثة قصف مستشفى الضعين موجة واسعة من الإدانات السياسية داخل السودان، حيث وصفت جهات سياسية ومدنية الهجوم بأنه “جريمة بحق المدنيين”.

وأكدت بيانات صادرة عن عدد من القوى السياسية أن استهداف منشأة طبية يُعد انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، الذي ينص بوضوح على حماية المستشفيات والعاملين في القطاع الصحي أثناء النزاعات المسلحة.

كما طالبت هذه الجهات بفتح تحقيق عاجل ومستقل لتحديد المسؤولين عن الهجوم، ومحاسبتهم وفق القوانين الدولية.

وشددت على أن تكرار استهداف المنشآت المدنية في السودان يعكس خطورة المرحلة التي تمر بها البلاد، ويؤكد الحاجة الملحة إلى تدخل دولي لوقف الحرب وحماية المدنيين.

مطالب بتحرك دولي عاجل

إلى جانب الإدانات المحلية، دعت جهات سياسية وحقوقية إلى تحرك دولي فوري لوقف الانتهاكات المتكررة ضد المدنيين في مناطق النزاع، خصوصاً في إقليمي دارفور وكردفان.

وأكدت هذه الجهات أن المجتمع الدولي مطالب اليوم بممارسة ضغوط حقيقية على أطراف الصراع من أجل الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وتجنب استهداف المدنيين أو البنية التحتية الحيوية.

كما شددت على ضرورة إرسال فرق تحقيق دولية مستقلة لتقصي الحقائق بشأن الهجوم، وضمان عدم إفلات المسؤولين عنه من العقاب.

ويرى ناشطون حقوقيون أن استمرار الحرب دون رقابة دولية فعالة سيؤدي إلى مزيد من الانتهاكات، خاصة في المناطق البعيدة عن العاصمة والتي تعاني من ضعف التغطية الإعلامية.

كارثة إنسانية متفاقمة في دارفور

يأتي هذا الهجوم في وقت يعيش فيه إقليم دارفور أوضاعاً إنسانية متدهورة للغاية، حيث يعاني السكان من نقص حاد في الخدمات الصحية والإغاثية.

فقد أدت الحرب المستمرة إلى تدمير أو إغلاق العديد من المستشفيات والمراكز الصحية، ما جعل الحصول على الرعاية الطبية أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لآلاف المدنيين.

ومع استهداف مستشفى الضعين، يخشى سكان المنطقة من فقدان أحد أهم المرافق الطبية التي يعتمدون عليها في تلقي العلاج.

ويقول عاملون في المجال الإنساني إن تدمير المنشآت الصحية لا يقتصر تأثيره على الضحايا المباشرين للهجمات، بل يمتد ليشمل آلاف المرضى الذين سيحرمون من الخدمات الطبية الأساسية.

كما أن نقص الأدوية والمعدات الطبية يزيد من تعقيد الوضع، ويجعل من الصعب على الطواقم الطبية التعامل مع الحالات الطارئة.

خطر انهيار النظام الصحي

يحذر خبراء في المجال الصحي من أن استمرار استهداف المستشفيات في مناطق النزاع قد يؤدي إلى انهيار شبه كامل للنظام الصحي في أجزاء واسعة من السودان.

فمع هجرة عدد كبير من الأطباء والممرضين بسبب الحرب، وتدمير البنية التحتية الصحية، أصبحت المستشفيات القليلة المتبقية تعمل في ظروف صعبة للغاية.

وفي دارفور تحديداً، يعتمد الملايين من السكان على عدد محدود من المرافق الطبية، ما يجعل أي هجوم عليها كارثياً من الناحية الإنسانية.

كما أن نقص الوقود والكهرباء يعرقل عمل المستشفيات، ويؤثر على تشغيل الأجهزة الطبية الحيوية مثل أجهزة التنفس الاصطناعي وحضانات الأطفال.

دعوات لحماية المنشآت الطبية

في أعقاب الهجوم، دعت منظمات حقوقية سودانية وناشطون إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المنشآت الصحية في مناطق النزاع.

وأكدوا أن المستشفيات يجب أن تظل مناطق آمنة لا تُستهدف تحت أي ظرف، وفقاً لما ينص عليه القانون الدولي الإنساني.

كما طالبوا بفتح ممرات إنسانية آمنة لنقل الجرحى والمصابين، وتمكين فرق الإغاثة من الوصول إلى المتضررين دون عوائق.

وأشاروا إلى أن حماية المنشآت الطبية ليست مجرد التزام قانوني، بل ضرورة إنسانية لضمان بقاء الحد الأدنى من الخدمات الصحية للسكان.

عمليات بحث تحت الأنقاض

في الوقت ذاته، تواصل فرق الإنقاذ والمتطوعون عمليات البحث بين الأنقاض في محاولة للعثور على ناجين محتملين.

وتواجه هذه الفرق صعوبات كبيرة بسبب نقص المعدات الثقيلة اللازمة لرفع الركام، إضافة إلى المخاوف من وقوع انهيارات جديدة في المبنى المتضرر.

وأفاد شهود عيان بأن أصوات استغاثة سُمعت من تحت الأنقاض في الساعات الأولى بعد القصف، ما دفع السكان المحليين إلى المشاركة في عمليات الإنقاذ باستخدام أدوات بسيطة.

ورغم الجهود المبذولة، يخشى كثيرون من ارتفاع حصيلة الضحايا في حال تأكد وجود عدد أكبر من العالقين تحت الركام.

تصعيد خطير في مسار الحرب

يمثل قصف مستشفى الضعين تصعيداً خطيراً في مسار النزاع السوداني، ويعكس اتساع نطاق الحرب ليشمل منشآت مدنية حيوية.

ويرى محللون أن استمرار استهداف البنية التحتية المدنية قد يؤدي إلى تعميق الأزمة الإنسانية في البلاد، ويزيد من معاناة السكان الذين يدفعون بالفعل ثمناً باهظاً للحرب.

كما أن هذه الحوادث قد تؤثر على فرص التوصل إلى حل سياسي للنزاع، في ظل تزايد الاتهامات المتبادلة بين أطراف الصراع.

الحاجة إلى تحرك عاجل

مع استمرار عمليات البحث تحت الأنقاض، تبقى الحاجة ملحة لتحرك عاجل يضع حداً لاستهداف المدنيين والمنشآت الحيوية في السودان.

فالحرب التي أنهكت البلاد تسببت في مقتل الآلاف وتشريد الملايين، بينما يواجه المدنيون خطر الموت في كل يوم نتيجة القصف أو نقص الخدمات الأساسية.

ويؤكد مراقبون أن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين يجب أن يكونا أولوية قصوى لجميع الأطراف، إذا كان هناك أمل في إنهاء هذه المأساة الإنسانية المتفاقمة.

وفي ظل المشهد الحالي، يبدو أن دارفور لا تزال تدفع ثمناً باهظاً للصراع، بينما ينتظر سكانها بقلق أي بارقة أمل قد تضع حداً لمعاناتهم المستمرة.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى