فراغ السلطة في إيران: معركة النفوذ بين المؤسسات والتيارات
شكّل اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي صدمة وجودية للنظام، الذي فقد ركيزته الدستورية والرمزية بعد نحو 37 عامًا من الحكم.
فلم يكن خامنئي مجرد رأس للدولة، بل كان مركز ثقلها الفعلي، والمهندس الذي أحكم ربط المؤسسة الدينية بالأجهزة العسكرية والأمنية، ونسج شبكة توازنات دقيقة ضمنت بقاء النظام رغم العقوبات والاحتجاجات والأزمات المتلاحقة، بحسب صحيفة الإندبندنت البريطانية.
ومع غيابه، تجد طهران نفسها أمام معادلة حاسمة: فهل تنجح في إعادة إنتاج السلطة بسرعة وتحافظ على تماسكها، أم تبدأ عملية تفكك تدريجي تحت ضغط الحرب والفراغ القيادي والضغوط الاقتصادية؟
صدمة غير مسبوقة
وتقول الصحيفة البريطانية، إنه بينما صمم النظام الإيراني ليصمد أمام الصدمات، إذ يقوم على هياكل متعددة الطبقات وآليات دستورية تتيح انتقالًا منظمًا للسلطة، إلا أن اغتيال المرشد في ظل تصعيد عسكري واستهداف مباشر للبنية الأمنية يضع هذه الآليات أمام اختبار غير مسبوق.
فالفجوة التي خلّفها غياب خامنئي ليست رمزية فحسب، بل تمس قلب منظومة اتخاذ القرار، في وقت تتعرض فيه الركائز العسكرية والأمنية لضغوط متزامنة.
برغم ذلك، يحذر مراقبون من القفز إلى استنتاجات سريعة؛ فتاريخيًا أظهرت إيران قدرة لافتة على امتصاص الصدمات، وإعادة ترتيب صفوفها، ودمج الخسائر في سردية “الاستشهاد” والمقاومة، بما يحول الضربة إلى أداة تعبئة داخلية بدل أن تكون مدخلًا للانهيار.
شروط تغيير النظام
وتشير الصحيفة إلى أن الرهان على سقوط النظام لا يرتبط بالقوة العسكرية وحدها. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن تغيير الأنظمة يتطلب توافر عناصر متزامنة تتمثل في قيادة انتقالية ذات مصداقية، وتأييد شعبي واسع ومستدام، وقدر من الدعم الدولي، والأهم تصدعات داخل الجهاز القمعي نفسه.
من دون انشقاقات مؤثرة داخل الحرس الثوري وأجهزة الأمن، يبقى احتمال الانهيار الشامل محدودًا. وحتى إن وُجدت تململات داخلية، فإن ترجمتها إلى تحول سياسي منظم تظل عملية معقدة تتجاوز مجرد إزاحة رأس الهرم.
معضلة الخلافة والشرعية
تتضاعف التعقيدات مع معضلة الخلافة. فاختيار مرشد جديد لا يتعلق فقط بالنصوص الدستورية، بل بشرعية سياسية ودينية تآكلت خلال سنوات من الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات المتكررة.
وتعكس الأسماء المتداولة حجم المأزق، إذ تفتقر الشخصيات السياسية البارزة إلى الصفة الدينية اللازمة، وقد يثير صعود أخرى ذات خلفية دينية صعودها اعتراضات شعبية، خصوصًا إذا فُهم انتقال السلطة على أنه تكريس لمنطق “السلالة”.
وفي حال تعاظم نفوذ الحرس الثوري خلال المرحلة الانتقالية، قد يتجه النظام نحو نموذج أكثر عسكرية وانغلاقًا، ما يعزز القبضة الأمنية على المدى القصير، لكنه يعمّق العزلة الخارجية ويزيد من هشاشة الشرعية الداخلية.
خطر الفوضى الإقليمية
في المقابل، يلوّح سيناريو الفوضى باعتباره الاحتمال الأكثر خطورة. فإيران ليست دولة هامشية في الإقليم؛ إنها لاعب مركزي في أسواق الطاقة وشبكات النفوذ الإقليمي.
وأي انهيار غير منضبط قد يفتح الباب أمام اضطرابات عابرة للحدود، ويهدد أمن الملاحة وإمدادات النفط، ويخلق فراغًا أمنيًا يصعب احتواؤه، بحسب الصحيفة البريطانية، التي أشارت إلى أنه من هذا المنظور، قد يكون بقاء نظام ضعيف لكنه متماسك أقل كلفة إقليميًا من انهيار شامل يطلق ديناميات غير محسوبة.
تباين الحسابات
قد يصبح التباين في أهداف الحلفاء عاملاً حاسمًا. فبينما قد ترى واشنطن أن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية — النووية والصاروخية — يحقق هدف الردع حتى لو استمر النظام، قد تميل إسرائيل إلى مواصلة الضغط حتى إحداث تغيير جذري في بنية الحكم.
غير أن أي سلطة جديدة في طهران ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع ميزان قوى دولي يفرض واقعًا سياسيًا جديدًا، حيث لن يكون مقبولًا دوليًا نموذج يُعيد إنتاج النظام ذاته بواجهة مختلفة.
بين التحول والتحصين
التقييم الأكثر واقعية أن أحد أشكال التحول السياسي قد يصبح ممكنًا، لكنه ليس مضمونًا ولا وشيكًا. فالضغط العسكري قد يفاقم نقاط ضعف النظام ويهدد تماسك نخبته، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى نتيجة معاكسة: تحصين النظام حول عناصره الأكثر تشددًا، وإنتاج جهاز أمني أكثر قسوة وانغلاقًا.
وفي النهاية، لن تحسم القوة الجوية وحدها مصير إيران. وستحدد التطورات العسكرية سقف الخيارات، لكنها لن تصوغ وحدها التسوية السياسية. والطريق من الضغط العسكري إلى التحرر السياسي ليس مستقيمًا، ولا يخلو من مخاطر جسيمة.
ويبقى الثابت الوحيد، أن إيران دخلت مرحلة جديدة، قد تستمر تداعياتها لسنوات، حيث سيتقرر مستقبل النظام بين احتمالي الانهيار وإعادة التشكل – في اختبار هو الأخطر منذ قيام إيران.







