سياسة

نساء في الواجهة.. كيف يستخدم النظام الإيراني القوة الناعمة؟


في مشهد بدا أقرب إلى عرض دعائي مُصمم بعناية، احتشد مئات الإيرانيين في حديقة «فردوس» التاريخية وسط طهران، بينما كانت شاشات عملاقة تعرض صورة المغنية اللبنانية جوليا بطرس، المعروفة بدعمها لـ«حزب الله»، وهي تغني وسط أجواء صاخبة.

وتحت ظلال الأشجار العتيقة، لوّحت نساء يرتدين العباءات السوداء وأخريات غير محجبات بالأعلام الإيرانية، في مشهد نادر جمع بين خرقين واضحين القوانين الإيرانية: البث العلني لصوت مغنية، وظهور نساء غير محجبات في فعالية موالية للدولة.

لكن هذا المشهد، بحسب صحيفة التايمز، لم يكن حدثًا معزولًا، بل جزءًا من حملة دعائية واسعة أطلقتها السلطات الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة، في محاولة لإعادة صياغة صورة النظام داخليًا وخارجيًا، عبر توظيف النساء والرموز البصرية الناعمة لتخفيف وقع العسكرة والتوتر الأمني الذي يخيّم على البلاد منذ احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022.

وتضمنت الحملة صورًا ومشاهد لنساء محجبات وغير محجبات يقدن سيارات دفع رباعي وردية اللون، وأخريات يمتطين دراجات نارية أو يحملن أسلحة وصواريخ مطلية باللون الوردي.

«الصواريخ الوردية».. النساء أداة النظام الإيراني لتلميع صورته - صورة 1

يضاف إلى جانب ذلك حفلات الزفاف الجماعية التي نُظمت داخل فعاليات موالية للنظام، ومقابلات تلفزيونية مع نساء غير محجبات يعلنّ دعمهن للنظام، فضلًا عن مشاركة نساء في تدريبات عسكرية واحتفالات وطنية في أنحاء مختلفة من البلاد.

«نرى اللون الوردي ونشم رائحة الدم»

يرى ناشطون حقوقيون أن هذه الحملة ليست مجرد محاولة لتحسين الصورة العامة للنظام، بل جزء من استراتيجية دعائية تهدف إلى «تلطيف وجه الحرب» وإخفاء مشاهد القمع والعنف والانتشار العسكري الكثيف في المدن الإيرانية.

وتقول سارينا، وهي ناشطة حقوقية من غرب إيران تعرضت للجلد 74 جلدة بعد نشر صورة بدون حجاب على «إنستغرام»، إن «الصواريخ والأسلحة الوردية تهدف إلى تجميل الحرب ومحو الدماء التي أُريقت في الشوارع». وتضيف: «نحن نرى اللون الوردي، لكننا نشم رائحة الدم».

وبحسب ناشطين، تسعى السلطات من خلال هذه الفعاليات الليلية إلى استعادة السيطرة على الفضاء العام ومنع تحوله مجددًا إلى ساحات احتجاج كما حدث خلال انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية»، التي اندلعت عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق بسبب ما قيل إنه «سوء ارتداء للحجاب».

«الصواريخ الوردية».. النساء أداة النظام الإيراني لتلميع صورته - صورة 2

وتوضح سارينا أن الانتشار الكثيف لنقاط التفتيش، والجنود المسلحين، والرشاشات المثبتة على المركبات المدرعة في شوارع المدن الإيرانية، يكشف أن الهدف الحقيقي من هذه العروض الدعائية ليس الاحتفال أو الوحدة الوطنية، بل منع أي انتفاضة جديدة.

ويقول منتقدو الحملة إن النظام الإيراني يحاول تقديم صورة توحي بوجود توافق وطني واسع حوله، خصوصًا بعد سنوات من الاحتجاجات والقمع والعزلة الدولية. وتصف غولروخ، وهي سجينة سياسية سابقة في سجن إيفين، الحملة بأنها «دعاية محضة»، معتبرة أن النظام يسعى إلى مصادرة رموز المعارضة نفسها واستخدامها لإضفاء شرعية على صورته أمام العالم.

وتضيف أن ظهور نساء غير محجبات في فعاليات موالية للنظام لا يعني قبولًا حقيقيًا بالحريات الشخصية، بل محاولة لإعادة توظيف رموز العصيان المدني داخل خطاب الدولة.

النساء بين الدعاية والسيطرة

وترى سامانه سافادي، وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة تقيم في المملكة المتحدة، أن استخدام اللون الوردي في الصواريخ والمركبات والأسلحة ليس تفصيلًا جماليًا عابرًا، بل يحمل دلالة سياسية ونفسية واضحة.

«الصواريخ الوردية».. النساء أداة النظام الإيراني لتلميع صورته - صورة 3

وتقول إن الهدف هو «تخفيف حدة الوحشية البصرية للعسكرة، وجعل الصواريخ والأسلحة والشوارع المسلحة تبدو مرحة وأنثوية وشبابية ومقبولة اجتماعيًا»، مضيفة أن النظام يستخدم صورة المرأة والأنوثة «لتطبيع العنف وإخفاء قسوته».

كما تعتبر سافادي أن حفلات الزفاف الجماعية التي نُظمت ضمن هذه الفعاليات، ومنها حفل زفاف جماعي لـ110 أزواج في طهران استخدمت فيه سيارات وردية اللون، ليست مجرد مشاهد احتفالية، بل رسائل سياسية تعكس النموذج الأسري الذي يريده النظام: أسرة قائمة على الطاعة والولاء وزيادة النمو السكاني.

«الصواريخ الوردية».. النساء أداة النظام الإيراني لتلميع صورته - صورة 4

ورغم الترويج الإعلامي لظهور نساء غير محجبات في بعض الفعاليات الرسمية، فإن السياسات الصارمة المتعلقة بالحجاب لا تزال قائمة. ففي أبريل/نيسان الماضي، أغلقت السلطات فندقًا تاريخيًا في مدينة كاشان بسبب «مخالفات تتعلق بالحجاب»، فيما لا يزال الظهور دون حجاب في الأماكن العامة يُعرّض النساء لعقوبات تشمل السجن والجلد.

وتقول سافادي: «قد يُحتفى بالمرأة غير المحجبة في سياق ما، وتُجرّم في سياق آخر. القضية ليست الحجاب بحد ذاته، بل السيطرة». وترى أن خوف النظام الحقيقي يكمن في أن أي تراجع عن السيطرة على أجساد النساء قد يفتح الباب أمام مطالب أوسع بالحريات السياسية والاجتماعية.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى