من ساحة القتال إلى عصر المسيّرات.. هل انتهى زمن الدبابات؟
شهدت الحروب الأخيرة انتشارا واسعا للمسيرات ما يطرح تساؤلات حول فكرة “موت الدبابة” أو بمعنى آخر نهاية عصر الدبابات.
ففي جنوب لبنان وأوكرانيا، تستهدف المسيرات الرخيصة محلية الصنع والتي تتراوح تكلفتها بين 300 و400 دولار الدبابات والجنود والجرافات، بحسب مجلة “نيوزويك” الأمريكية ما يدعو للتساؤل هل انتهى عصر الدبابات؟
“موت الدبابة”
الأمر ليس بهذه البساطة، فرغم أن المسيرات حديثة فإن فكرة موت الدبابة ليست جديدة بحسب تحليل نشرته المجلة.
ففي عام 1960، أعرب مؤرخ عسكري بريطاني عن دهشته من أن الجميع كانوا يعلنون موت الدبابة، ثم تعود لتنهض من جديد “من القبر الذي دفنوها فيه”.
وفي أواخر مايو/أيار الماضي، أكدت منصة “أوريكس”، وهي منصة تتبع مفتوحة المصدر، تدمير 4390 دبابة روسية و6429 مركبة قتال مشاة منذ فبراير/شباط 2022، أي حوالي 2.8 مركبة يوميًا.
وقدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية خسائر روسيا في عام 2024 وحدها بنحو 1400 دبابة قتال رئيسية و3700 مركبة مدرعة أخف، أي ما يقارب 3.8 مركبة يوميًا.
ومن الناحية الاقتصادية، يبدو الوضع قاتمًا، فقد تم تدمير دبابات تقدر قيمتها بملايين الدولارات على يد مسيرات رخيصة ونسخ محلية الصنع “تُباع بنحو 3000 دولار”، كما كتب أحد المحللين ووصف محلل آخر الدبابات وناقلات الجنود المدرعة بأنها “عفا عليها الزمن” منذ مارس/آذار 2022.
وترجع فكرة “موت الدبابة” إلى ارتفاع تكلفة الدبابات، ووضوحها، وعدم تساوي دروعها، وقدرتها على استهداف العدو من الأمام، وليس من الأعلى أو الخلف.
وقد استوعبت الولايات المتحدة هذا الدرس مع دبابات “أبرامز” فسحبتها من أوكرانيا في 2024 بعد خسارة خمس دبابات من أصل 31.
ويستمر التهديد في التزايد، فعندما تعذر على المسيرات التي يتم التحكم فيها عن بعد استخدام أجهزة التشويش، حلت محلها مسيرات مزودة بألياف بصرية تمتد لمسافة تصل إلى 16 كيلومترًا من الكابلات.
لكن هذه المخاوف ليست جديدة، فدائما ما تعرضت الدبابات للتدمير بمعدلات مخيفة، ومع ذلك تستمر الجيوش في بناء المزيد منها.
وتعرضت الدبابات للإحراج على يد البنادق المضادة للدبابات قرب نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم على يد قاذفة الصواريخ الألمانية “بانزر فاوست” والمدفع الأمريكي “بازوكا” خلال الحرب العالمية الثانية.
وبعدها دمرت صواريخ “تاو” و”جافلين” الأمريكية الثقة في الدبابات السوفياتية خلال الحرب الباردة وبعدها.
وفي كل مرة يكشف فيها سلاح ما عن نقطة ضعف في الدبابات كان النقاد يعتبرونها منتهية الصلاحية، فيعيد المهندسون تصميمها.
تحديات وحلول
وكانت “أقفاص الحماية” أول حل لحرب المسيرات لكنها كانت قبيحة لدرجة السخرية وهي عبارة عن هياكل ملحومة وشبكات مثبتة بمسامير على أبراج، وقد شاع استخدامها من قبل القوات الروسية في أوكرانيا بهدف تدمير شحنة المتفجرات قبل وصولها إلى هيكل الدبابة.
وقد قامت أوكرانيا ببناء حواجز فولاذية أكثر تنظيمًا، صممتها شركة “ستيل فرونت” لدبابات أبرامز التي تبرعت بها.
وكان هناك تقنية الربط وذلك على الرغم من أن المسيرات المزودة بألياف بصرية تعمل بشكل مضاد لها، كما يعتبر نظام “تروفي” القادر على تتبع التهديدات القادمة للدبابات وتدميرها بقذائف متفجرة، أحد الأنظمة المصممة لمواجهة هذا التحدي.
وفي 2024، أظهرت الاختبارات أن “تروفي” قادر على اعتراض المسيرات بإجراء تعديلات طفيفة على البرمجيات والأجهزة، وهو ما يمكن أن يكون فعالًا عند دمجه مع أنظمة دفاع جوي أخرى، بما في ذلك أجهزة التشويش والشراك الخداعية وأشعة الليزر.
الجميع يريدها
رغم التحديات لا يزال الجميع يريدون الدبابات، فحتى بعد تدميرها لا تزال الدول تتسابق لشراء حطامها والجيل القادم منها مصمم خصيصًا لهذا العالم الجديد.
وكشف الجيش الأمريكي النقاب عن نموذج أولي مبكر لدبابة “إم-1 إيي 3 أبرامز” مطلع العام الجاري، وهي دبابة أخف وزنا وأسهل في صيانتها ومزودة بمحرك هجين يعمل بالديزل والكهرباء، ونظام حماية نشط، وتصميم معياري معرف برمجيًا.
وأوضح اللواء غلين دين أن أوكرانيا أظهرت الحاجة إلى حماية “مدمجة من الداخل بدلًا من إضافتها” لكن نظام القتال البري الرئيسي الأوروبي يتجاوز ذلك فهو يضم الروبوتات والذكاء الاصطناعي والمسيرات ووصلات البيانات.
أي أنه عبارة عن دبابة مأهولة وحاملة صواريخ مأهولة ومركبة دعم غير مأهولة، تعمل جميعها على حماية بعضها البعض.
وسيتم تجهيز النسخة الأوروبية من نظام “تروفي” على دبابات “ليوبارد 2 إيه 8” في ألمانيا والنرويج وهولندا وجمهورية التشيك وليتوانيا وكرواتيا.
كما تم تطوير نظام “آيرون فيست” من شركة “إلبيت”، الذي تم اختياره لمركبات “برادلي” الأمريكية بموجب صفقة بقيمة 228 مليون دولار، لإسقاط المسيرات، بينما يقضي نظام “سترايك شيلد” من شركة “راينميتال” على التهديدات القادمة قبل لحظة الاصطدام.
وربما تستطيع المسيرات تدمير الدبابات، لكنها لا تستطيع حتى الآن القيام بما تقوم به الدبابات من سيطرة على الأرض، وتوفير المأوى للطاقم، ومواجهة المدافعين في زاوية شارع بمدفع فتاك.






