سياسة

الترسانة الأمريكية تحت المجهر.. أزمة تحديث أم خلل استراتيجي؟


من نقص التمويل إلى فجوات خطيرة في المعرفة والعمالة والبنية الصناعية الدفاعية، تجد أمريكا نفسها في مأزق خطير.

وبحسب مجلة “فورين بوليسي”، تواجه القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية «تحديات جسيمة»، حيث كشف تقرير صدر عام 2023، أن 64% من شركات الدفاع تعاني من صعوبة في توظيف العمالة الماهرة.

وفي أواخر 2024، حذر مستشار الأمن القومي من أن القاعدة الصناعية الدفاعية “التي ورثناها لا ترقى إلى مستوى التحدي الذي نواجهه في عصر جديد من المنافسة الاستراتيجية”.

وفي أبريل/نيسان الماضي، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمرًا تنفيذيًا يحدد المشكلة بعبارات صريحة، وهي أن عقودا من نقل الإنتاج إلى الخارج، ودمج الشركات، ونقص الاستثمار، تركت واشنطن بدون القدرة والقوى العاملة اللازمة لإنتاج عسكري مستدام.

وهذا العام، سن مسؤولو البيت الأبيض سياسات مختلفة لمعالجة أوجه الخلل، حتى إن وزير الدفاع بيت هيغسيث دعا إلى تجديد “ترسانة الحرية” الأمريكية.

ومع أن هذه الجهود تشير بوضوح إلى ضرورة الإصلاح، إلا أنها لن تحل مجموعة أعمق بكثير من المشكلات، فواشنطن لا تستطيع بناء ما تحتاجه لأنها تفتقر إلى القوى العاملة والمصانع والشراكات اللازمة لذلك.

ويفترض صانعو السياسات، أن ضخ المزيد من الأموال سيؤدي تلقائيًا إلى زيادة الإنتاج، لكنها نظرة خاطئة تتعامل مع القاعدة الصناعية كـ”صندوق أسود” تدخل فيه الأموال وتخرج على صورة أسلحة.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ إذ لا توجد بيانات دقيقة حول المصانع الحديثة والمتقادمة، وأيها يفتقر إلى العمالة أو التكنولوجيا اللازمة للتوسع.

ووفقا لـ”فورين بوليسي”، فإن هناك ثلاث مشكلات رئيسية تقف وراء هشاشة القاعدة الصناعية الدفاعية في الولايات المتحدة.

 

أولًا: غياب البيانات الأساسية

لا تملك الإدارة الأمريكية صورة واضحة عن مستوى تحديث المصانع الدفاعية، ولا عن مدى انتشار الروبوتات، والتصنيع الرقمي عبر سلاسل التوريد.

ويرجع ذلك إلى عقود من الاعتماد على شبكة واسعة من المتعهدين والمقاولين من القطاع الخاص، دون وجود آلية إلزامية للإفصاح عن الاستثمارات الصناعية أو القدرات التقنية.

كما أن القوانين الحالية تمنع وزارة الحرب من الوصول المباشر إلى بيانات الموردين من المستويات الدنيا؛ إذ تقتصر العلاقة التعاقدية على الشركات الكبرى فقط.

وهذا الغموض يؤدي إلى «أخطاء خطيرة» في التخطيط؛ أبرزها المبالغة في تقدير القدرة على زيادة الإنتاج وقت الأزمات.

فمضاعفة الإنتاج لا تعني فقط مضاعفة التمويل، بل تتطلب عمالة مدربة، ومعدات حديثة، وبنية تحتية قادرة على التوسع، وهي عناصر لا يمكن تقييمها دون بيانات دقيقة.

ثانيًا: انهيار خط إمداد العمالة الماهرة

تحتاج الصناعات الدفاعية إلى عشرات الآلاف من العمال المتخصصين، مثل الميكانيكيين الدقيقين، واللحامين، ومشغلي الآلات، ومهندسي الأتمتة، وكثير منهم يحتاج إلى تصاريح أمنية.

وعلى سبيل المثال، يحتاج قطاع بناء الغواصات وحده إلى نحو 100 ألف عامل متخصص خلال العقد القادم، في ظل غياب نظام تعليمي أو تدريبي قادر على سد هذا الطلب.

وفي حين يسود الاعتقاد بأن التشغيل الآلي سيعوض نقص العمالة فإنه اعتقاد خاطئ، لأن الروبوتات تزيد الحاجة إلى عمال أكثر مهارة، مثل المبرمجين، وفنيي الصيانة، وخبراء الأمن السيبراني الصناعي، وهو ما يعني أن المكننة لا تقلل المشكلة، بل تعمّقها إذا لم تتوافر الكفاءات اللازمة.

ثالثًا: تآكل قاعدة صغار الموردين

صغار الموردين هم العمود الفقري الحقيقي للصناعة الدفاعية، فآلاف الورش والمصانع الصغيرة التي توظف أقل من 50 عاملًا، تنتج مكونات حاسمة لأنظمة تسليح متقدمة.

لكن هذه الشركات تعمل غالبًا بمعدات قديمة، وهوامش ربح ضعيفة، وتعاني من عدم استقرار العقود وتأخر المدفوعات ما أدى إلى خروج أكثر من 40% من الشركات الصغيرة من قطاع الدفاع خلال العقد الماضي، وهو ما خلق اختناقات خطيرة في سلاسل التوريد.

وقد يؤدي انهيار مورد صغير واحد إلى توقف برنامج تسليحي كامل، مهما بلغ حجم الاستثمارات الحكومية فيه.

من جهة أخرى يواجه التعاون مع الحلفاء عقبات مؤسسية، فرغم امتلاك دول حليفة مثل اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية وأستراليا قدرات صناعية متقدمة تفوق أحيانًا القدرات الأمريكية، إلا أن القيود البيروقراطية وقوانين تصدير التكنولوجيا الأمريكية تعيق الإنتاج المشترك وتبادل البيانات الفنية.

بمعنى آخر، فإن ثقافة “عدم مشاركة المعلومات مع الأجانب” أصبحت عائقًا استراتيجيًا بدلا من أن تكون أداة حماية.

ولمواجهة هذه التحديات، قدمت “فورين بوليسي” سلسلة من التوصيات العملية في مقدمتها إنشاء قاعدة بيانات وطنية لقياس جاهزية التصنيع المتقدم.

إلى جانب الاستثمار في تدريب العمالة الماهرة وتسريع التصاريح الأمنية، ودعم الموردين الصغار بالتحديث التكنولوجي، وأخيرًا إصلاح أنظمة الإفصاح والتصدير لتمكين الإنتاج المشترك مع الحلفاء.

وفي النهاية، فإن إعادة بناء القوة الصناعية الأمريكية لا يمكن أن تتم بالشعارات، بل بفهم واقعي وشامل لمنظومة المصانع والعمال والموردين والشركاء.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى