سياسة

إيلون ماسك وترامب.. تحالف مصلحة أم عبء متبادل؟


إيلون ماسك بات يمثل أزمة داخل الحزب الجمهوري بأمريكا بعد الهزيمة الساحقة التي مُني بها مرشحه في الانتخابات القضائية بولاية ويسكونسن.

وخسر القاضي المحافظ براد شيميل أمام منافسته الليبرالية سوزان كروفورد بفارق 10 نقاط مئوية، رغم ضخ الملياردير ما لا يقل عن 25 مليون دولار لدعم الحملة، وفقا لصحيفة «نيويورك تايمز» المحلية. 

وهذه النتيجة المفاجئة في ولاية اعتُبرت نسبيا معقلًا جمهوريًا– خاصة بعد فوز دونالد ترامب فيها بهامش ضيق عام 2024 – أثارت موجة غضب بين مستشاري الرئيس.

كما أجبرت المشرعين الجمهوريين على مواجهة أسئلة محرجة من ناخبيهم حول مدى تأثير الملياردير المثير للجدل في صناعة القرار السياسي، وما إذا كان نفوذه المالي والإعلامي يستحق المخاطرة بفقدان الثقة الشعبية.

تحالف مصالح أم «زواج اضطراري»؟

رغم التوترات الأخيرة، تظل علاقة ماسك بترامب أحد الركائز الاستراتيجية للحزب الجمهوري، فالملياردير، الذي تعهد بتقديم 100 مليون دولار لمجموعات داعمة لترامب، أنفق بالفعل نحو 300 مليون دولار على انتخابات 2024، وفقًا لتقديرات داخلية.

ولا تقتصر قوة ماسك على الجانب المالي؛ فسيطرته على منصة «إكس» – التي يُعتقد أن 60% من نشطاء الحزب الجمهوري يعتمدون عليها كمصدر رئيسي للأخبار – تمنحه نفوذًا إعلاميًا غير مسبوق.

لكن هذه العلاقة تحمل تناقضات جوهرية، فبينما ينتهي دور ماسك الرسمي كـ”موظف حكومي خاص” في مايو/أيار أو يونيو/حزيران المقبلين وفقًا للقانون الفيدرالي، تؤكد مصادر مقرّبة من ترامب أن الرئيس يخطط للحفاظ على التحالف.

ويعتبر ترامب أن فوائد ماسك – خاصة في معركة التمويل ضد بايدن – تفوق أي تكاليف سياسية.

ويبدو أن ترامب، الذي أبدى إعجابه بـ”عبقرية ماسك في تحقيق المستحيل”، يعامله كحليف استثنائي رغم تحذيرات مستشاريه من مخاطر ارتباط صورته بشخصية مثيرة للانقسام.

درس قاسٍ 

تحوّلت محاولة ماسك للتأثير في انتخابات ويسكونسن إلى دراسة حالة عن الفجوة بين القوة المالية والتأثير الشعبي.

فبعد ضخ ملايين الدولارات عبر مجموعته America PAC، قرر الملياردير الظهور شخصيًا في تجمع انتخابي بمدينة غرين باي، حيث ارتدى قبعة ترمز للولاية ووزّع شيكات بقيمة مليون دولار على مواطنين وقعوا عريضة ضد “القضاة الحزبيين”.

لكنّ الحدث تحوّل إلى كارثة إعلامية: فقد غاب المرشح المدعوم (شيميل) عن الفعالية، في خطوة فُسرت كمحاولة للهروب من صورة ماسك الاستفزازية، بينما استخدم الديمقراطيون لقطات الحدث كأداة لحشد الناخبين الليبراليين

والنتيجة كانت صادمة: خسر شيميل حتى في مقاطعة براون – حيث عُقد التجمع – بينما سجّل الديمقراطيون أعلى معدل إقبال منذ عقد.

وتحوّل الملياردير، الذي اعتاد الإشادة بذكائه الاستراتيجي، إلى “كبش فداء” سهلاً للهزيمة، حيث سارع مستشارو ترامب إلى إلقاء اللوم عليه، بينما بدأ الجمهوريون بالتشكيك في جدوى الاستثمار في حملات “المليارديرات الطائشين”.

تحديات بيروقراطية

كشفت تجربة ماسك في الإدارة الفيدرالية عن فجوة ثقافية عميقة بين عالم الشركات الناشئة السريع وعالم البيروقراطية الحكومية البطيء.

ففي منصبه كمدير لإدارة “الكفاءة الحكومية”، اصطدم الملياردير – المعتاد على اتخاذ قراراته في دقائق – بطبقات من القيود القانونية والإدارية أعاقت مشروعاته.

وحاول الضغط لتجاوز بعض القواعد عبر علاقته المباشرة بترامب، لكن التقدم ظل أبطأ مما تصوّر، وفقًا لمصادر مقرّبة من فريقه.

ورغم تحديد فترة عمله بـ130 يومًا – لتجنب قيود أخلاقيات الوظيفة العامة – يبدو أن الملياردير لم يستسلم للواقع.

ففي مقابلة حديثة، ألمح إلى إمكانية إكمال مهامه خلال “3-4 أشهر”، بينما تدرس مجموعته القانونية سبل عودته لاحقًا في منصب حكومي.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لرجل أعمال اعتاد تحطيم القواعد في “تسلا” و”سبيس إكس” أن يتحول إلى لاعب بيروقراطي محنك؟

هل ينتهي عصر هيمنة المليارديرات على السياسة؟

أثارت هزيمة ويسكونسن نقاشًا واسعًا داخل الحزب الجمهوري حول حدود تأثير الأموال في الانتخابات.

فبينما لا يزال المشرعون يتسابقون للحصول على تمويل ماسك، بدأت أصوات تحذّر من أن ظهوره العلني قد يُحوّل السباقات الانتخابية إلى استفتاء على شخصيته بدلاً من قضايا الحزب.

من ناحية أخرى، تبرز معضلة أخرى: فسيطرة ماسك على منصة إكس تمنحه قدرة غير مسبوقة على تشكيل الرأي العام، لكنها تعني أيضًا أن أي خلاف مستقبلي معه قد يُترجم إلى حرب إعلامية مدمرة.

ويبدو أن الحزب وقع في فخ الاعتماد المفرط على موردٍ وحيد، دون بناء استراتيجية توازن بين التمويل والشعبية.

وتجسّد قصة ماسك وترامب تناقضات عميقة في المشهد السياسي الأمريكي المعاصر.

فمن جهة، يعكس تحالفهما صعود نمط جديد من “الشعبوية الرأسمالية”، حيث تُستخدم الثروات الفردية كأدوات لتجاوز المؤسسات التقليدية.

لكن من جهة أخرى، تكشف هزيمة ويسكونسن عن محدودية هذه النموذج، خاصة عندما تتصادم الطموحات الفردية مع إرادة الناخبين.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى