سياسة

ليبيا تودع 2023 باستحقاقات تعترضها القوة القاهرة


لا انتخابات، ولا توحيد مؤسسات، ولا خطوات على طريق عودة «ليبيا الدولة»، لاءات عدة حملها عام 2023 الذي يلملم أوراقه، في ثوب أزمات للبلد الأفريقي.

تلك الأزمات قادتها «القوة القاهرة». مما فاقم «معضلة ليبيا»، وجعل من 2023 عام الحصيلة الصفرية أو دون الصفرية. حسب وصف خبراء.

فما معضلة ليبيا؟

اجتهد المراقبون في تشخيص معضلة ليبيا، فوضعوا أياديهم على جراح لا تزال تنزف. من انتخابات أرجأتها القوة القاهرة، وعطلتها أطراف تحاول الاستفادة من الوضع الحالي. الذي تغيب فيه الرقابة، وتُرفع فيه أقلام المساءلة.

تلك الانتخابات حاولت ليبيا الخروج من أزمتها، فسن برلمانها قانونا قوبل برفض بعض القوى السياسية. بينها مجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة. رغم توافق سلفه مع رئيس البرلمان عقيلة صالح عليها.

ومن الانتخابات إلى توحيد المؤسسات، عانت ليبيا من «داء عضال». فالبلد الأفريقي تتنازع عليه حكومتان، إحداهما في الغرب برئاسة عبدالحميد الدبيبة وهي منتهية الولاية. بموجب الاتفاق الذي شُكلت على أساسه. وأخرى في الشرق والتي يقودها أسامة حماد نيابة عن سلفه فتحي باشاغا. ورغم تأديتها اليمين الدستورية إلا أنها لم تمارس صلاحياتها على كامل ليبيا. بسبب «تعنت ورفض» الدبيبة في تسليم منصبه، إلا لحكومة منتخبة.

انقسام الجهة التنفيذية لشقين. كان له تأثير سلبي على اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5) والمُشكلة من 5 ضباط من الشرق الليبي و5 آخرين من الغرب الليبي. بهدف توحيد المؤسسة العسكرية في جيش واحد.

تلك اللجنة عقدت خلال العام المنصرم اجتماعات أفضت إلى توافقات وتوصيات على طريق توحيد الجيش. إلا أنها لم تر النور -حتى اللحظة- لاحتياجها إلى «جهات تنفيذية. ترعى تلك الاتفاقات، وإرادة دولية تراقب تنفيذ تلك الحلول على الأرض»، بحسب خبراء.

تعثُر ذلك الملف جعل المطالبة بإجلاء المرتزقة والقوات الأجنبية الموجودة على الأراضي الليبية خاصة في المنطقة الغربية، بمثابة درب من المستحيل. «خاصة أن جهات تسيطر على تلك البقعة من البلد الأفريقي ترفض الدفع نحو إخراج تلك القوات، ومنح السيطرة للجيش الليبي بعد توحيده. لما لذلك من تأثير مباشر على مصالحها المحلية والآنية. إضافة إلى أن ذلك الوضع ترعاه دول بعينها؛ ترى في استمراره مصالح مباشرة لها، تسعى لتحقيقها».

وأمام «عجز» البعثة الأممية عن فرض حلول على الأرض فإن «انجلاء تلك القوات بات دربا من المستحيل في الوقت الراهن، مما فاقم المعضلة الأمنية التي تعاني منها ليبيا، وأتاح استمرار حالة اللاحساب، التي ترزخ تحتها المليشيات المسلحة في المنطقة الغربية، والتي تعد عقبة أساسية في أزمة البلد الأفريقي، الموسومة بأنها أمنية».

فلماذا لم يحمل عام 2023 جديدا في ليبيا؟

يقول المحلل السياسي الليبي أحمد المهدوي إن المشكلة الأساسية في عدم وجود حل بليبيا في 2023، «اختزال الأزمة في الجانب السياسي وتجاهل المجتمع الدولي الجانب الأمني»، مشيرا إلى أن الأزمة الرئيسية تتمثل في «انتشار السلاح والمجموعات المسلحة خارج إطار شرعية الدولة، ما يجعل الوصول إلى حل سياسي شبه مستحيل».

ليس هذا فحسب، بل إن «حصر الخلاف بين النخب السياسية الموجودة في السلطة، ومطالبتها بإيجاد حل سياسي ينهي وجودها، يعد أمرا مستحيلا، لأن هذه النخب تعد أطراف مصلحة ولها رغبة بالبقاء في السلطة»، يضيف المحلل الليبي، الذي أكد أن من بين الأسباب -كذلك- غياب الاستراتيجية الواقعية التي تملك إدارة تنفذ أي مخرجات أو خرائط طريق، عن مبادرات ومؤتمرات البعثة الأممية والدول الأوروبية.

وبحسب المحلل الليبي، فإن ما وصفه بـ«القصور في تنفيذ أي توافقات سابقة حدثت بين مجلسي النواب والدولة ومنها توحيد المؤسسات السيادية»، كان أحد العوامل التي قادت إلى عام الحصيلة صفر، إضافة إلى «نسف كل تلك التوافقات من قبل رئاسة مجلس الدولة الجديدة، والعودة بها إلى نقطة الصفر».

وأشار إلى أن الأهم من كل ذلك -حسب وصفه- غياب الثقة بين الأطراف السياسية المتحاورة، مما نسف أي تقارب لإنهاء الأزمة.

أسباب ونتائج

غياب تلك الثقة، فاقمه سلوك البعثة الأممية وإدارتها التي وصفها بـ«الخاطئة للأزمة الليبية» .يقول المهدوي، مشيرًا إلى أن البعثة الأممية لا تسعى لحل الأزمة. وإنما إدارتها فقط، ناهيك عن دعوتها أطرافا لها مصلحة بالبقاء في السلطة لإنهاء وجودها. ما يُعد «أكبر خطأ وقعت فيه»، فضلا عن «إغفالها القاعدة الشعبية من الأكاديميين والمثقفين والأحزاب السياسية».

تلك الإدارة «الخاطئة» أججتها تلك الدعوة الخماسية التي أطلقها المبعوث الأممي عبدالله باتيلي. «لأنها أهملت وغفلت الأطراف التفاوضية في دعوتها». في إشارة إلى حكومة أسامة حماد التي تمارس مهامها من الشرق، بحسب المحلل الليبي.

فـ«هذه الحكومة تملك نفس القوة التفاوضية لحكومة عبدالحميد الدبيبة، مما دفع البرلمان لرفض الدعوة الأممية، لكون طاولة الحوار غير متكافئة»، يقول المحلل الليبي. متوقعًا فشل مسار البعثة الأممية الحالي، نظرًا لانعدام الثقة بين الأطراف الخمسة.

أوضاع أضيفت إلى فشل الأطراف الليبية في إنهاء التوافقات. أدت إلى تجميد أعمال ومسار اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5)، والتي كان يُعول عليها. في إحداث اختراقات بأزمة المليشيات المسلحة والقوات الأجنبية والمرتزقة الموجودة على الأراضي الليبية. بحسب المحلل الليبي.

وعلى الرغم من أن اللجنة العسكرية الليبية المشتركة نجحت في وقف القتال والدخول في هدنة مفتوحة. إلا أن ما وصفه المحلل الليبي المهدوي بـ«الإهمال والتباطؤ في تنفيذ التوافقات. إضافة إلى التدخل الإقليمي والدولي عرقل عملها. وأرجأ أية حلحلة في ملف إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة».

عام الحصيلة السلبية

المحلل السياسي الليبي كامل المرعاش التقط أطراف الحديث. قائلا إن «عام 2023 كان مثل سابقيه من الأعوام، سطرت فيه ليبيا فشلا على مسارات عدة. برعاية الدول المهيمنة على الأزمة الليبية».

وأوضح المحلل الليبي أن «العنوان الأبرز لهذا العام هو تغول الفساد .وبلوغه مستوى غير مسبوق على كل المستويات وبرعاية حكومة الدبيبة».

 

وحول أسباب ذلك الفشل. قال عضو لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان الليبي علي التكبالي إن «النخب الحاكمة لم تتخل عن رغبتها في الاستئثار بالسلطة. مما أجهض أية فرصة لإجراء انتخابات حقيقية».

وأوضح التكبالي أن الاسم المناسب لعام 2023 هو «عام الحصيلة السلبية أي ما دون الصفر. فقد زاد النزاع والتنافر والفساد، وتآكلت أطراف الدولة أكثر من العام الذي قبله».

وحول أسباب عدم حسم البرلمان لأزمة تعقد المسار السياسي. قال عضو مجلس النواب الليبي إن «البرلمان بات مُبعدًا عن الحلول». مشيرًا إلى أن قوانينه «لا يسمعها إلا من يريدها؛ إضافة إلى تراجع الأعلى للدولة عن توافقاته مع البرلمان. بمجيء محمد تكالة رئيسًا له».

أما عن أسباب تجمد أعمال اللجنة العسكرية. فقال التكبالي إن من وصفهم بـ«المتحكمين في مصير البلاد لا يريدون توحيد الجيش». مشيرًا إلى أن «المليشيات المسلحة المسيطرة على المنطقة الغربية. لا تريد كذلك المضي قدمًا في المسار العسكري».

ما المخرج؟

يقول المحلل السياسي الليبي أحمد المهدوي إن «المخرج الوحيد» للأزمة في ليبيا هو «خلق فرصة سياسية ليبية من الداخل دون تدخل البعثة والمجتمع الدولي. وإشراك الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني في حوار مجتمعي داخل ليبيا».

عضو لجنة الدفاع والأمن القومي في البرلمان الليبي علي التكبالي توقع استمرار الأزمة الليبية. بشكل قد «يؤدي إلى ضياع البلد الأفريقي. إلا إذا تدخلت الدول الكبرى وفرضت حلولا للأزمة».

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى