سياسة

سوريا وخارطة الطريق الإماراتية

عبدالحميد توفيق


الإمارات مستعدة دائما لمساندة الشعب السوري، موقفٌ أطلقه سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير خارجية الإمارات، هذه المرة من قلب العاصمة السورية، خلال زيارته لها الثلاثاء الماضي ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد.

الزيارة من حيث توقيتها وسياقاتها لها مدلولاتها ومعانيها العميقة، فالمواقف الإماراتية التي تضمنتها الزيارة جاءت استكمالاً لمبادرة “ثلاثية الأبعاد” أطلقها الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان قبل أشهر عدة، أولها البُعد الإماراتي السوري، فدولة الإمارات العربية المتحدة ظلت منذ بداية الأزمة السورية تنظر بعين استراتيجية إلى أهمية المحافظة على تماسك الدولة السورية بمؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مهما كانت التحديات جسيمة وقاسية.

بَنَت الإمارات مواقفها على هذه الأسس المتينة وحافظت على إيقاع حضورها الدبلوماسي والسياسي في جميع المحافل، ورفعت صوتها داخلها، انسجاما مع قناعاتها بأهمية مساندة سوريا دولة وشعبا، حتى تتمكن من عبور الأزمة الكبيرة بأقل الخسائر.

لم تَحِد الإمارات عن مواقفها حين كانت مواقف البعض متشددة وتصل إلى حدود التطرف.. كانت دولة الإمارات تطرح مقارباتها السياسية بروح الأخوة والواجب تجاه الشعب السوري، دون تجاهل مصالح الآخرين أو معارضتها.. اتسمت طروحاتها ومواقفها بالشجاعة والإقدام حين أدار العالم ظهره لشعب سوريا وترَكه يواجه خطر وباء كورونا في ظل معاناة قاسية.. كان موقف الإمارات المعلن على لسان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن “سوريا لن تكون وحدها في مواجهة هذا الوباء”.

لم تكن خارطة الطريق، التي رسمت معالمها الخارجية الإماراتية في شهر مارس الماضي خلال مؤتمر صحفي للشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان مع نظيره الروسي، سيرجي لافروف، سوى بصمة من بصمات عديدة وضعتها الإمارات على طريق انتشال سوريا من براثن الخطر المحدق بها شعبا ودولة.. تم وضع النقاط فوق الحروف، وكشف المعوقات الجوهرية، التي تقف حجرة عثرة أمام التواصل والتعاطي مع سوريا، حين قال وزير خارجية الإمارات: “الأمر لا يتعلق بمن يريد وبمن لا يريد، المسألة مصلحة عامة لسوريا وللمنطقة”.. بهذا الوضوح تحدث الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان على الملأ، مؤكدا أن “أدوارنا مهمة لأن تعود سوريا إلى دورها في الجامعة العربية، ولا بد من وجود مجالات تفتح الباب للعمل المشترك مع سوريا لنا جميعا“.

البُعد الثاني في المبادرة الإماراتية تجاه سوريا باتت ثماره تنضج على المستوى العربي.

لقد منحت المبادرات الإماراتية المتلاحقة لاستعادة سوريا لحاضنتها العربية وتفعيل دورها على المستويين العربي والإقليمي، عواصمَ عربية أخرى نافذةً لطرح تصوراتها والإفصاح عن رغباتها بضرورة وأهمية كسْر الحصار المضروب على سوريا، والعمل على طيّ صفحة مقاطعتها.

وتقاطعت جميع المواقف العربية المعلنة بهذا الخصوص مع جوهر الرؤية الإماراتية، التي لخّصها الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان في آذار الماضي بقوله: “أعتقد أن ضرورة التعاون والعمل الإقليمي ببدء مشوار عودة سوريا لمحيطها أمر لا بد منه“.

لا يقل البُعد الثالث في المبادرة الإماراتية أهمية عن سابقَيْه، حيث يتوجه مباشرة إلى المجتمع الدولي.

فالدبلوماسية الإماراتية لم تتجاهل في مقارباتها الخاصة بسوريا جملة التحديات الذاتية، ولا مجموعة القرارات والقوانين الخارجية الأخرى المتعلقة بالوضع السوري منذ اندلاع الأزمة حتى الآن، لكن هذه “المنغّصات” تحتاج إلى عمل دؤوب لتجاوزها من خلال الحوارات مع الأطراف الدولية، التي تتبناها وتتمسك بها، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية، فقانون “قيصر”، الذي يكبّل الجميع، دولاً وقطاعاتٍ، ويمنعها من التعامل مع سوريا، هو محور ما تقوم به دولة الإمارات، التي تعتقد أن “إبقاء قانون قيصر يجعل هذا المسار غاية في الصعوبة على الدول وعلى القطاعات الخاصة أيضا، وهذا ما نتحدث به مع أصدقائنا الأمريكيين”.

بهذه المعاني العميقة، التي تضمّنتها المبادرة الإماراتية بأبعادها الثلاثة للأخذ بيد سوريا نحو مرافئ الاستقرار والأمان، يتضح أن لا خطوط حمراء أمام دبلوماسية نابعة من إرادة سياسية مؤمنة بذاتها وبأهدافها، ومخلصة في مساعيها.

الدبلوماسية الفاعلة والمؤثرة هي انعكاس دقيق لقوة الدولة، التي تقف خلفها بكل مقوماتها السياسية والاقتصادية والحضارية.. هي تجسيد لوضوح رؤاها وتصوراتها وصواب خياراتها.

نقلا عن العين الإخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى