سياسة

دبلوماسية الإمارات تكسر عزلة دمشق

خالد رستم


لمّا كانت الأمة العربية تتعرض حاليا لتحديات جسيمة وقضايا شائكة ومعقدة،رأت القيادة الإماراتية أهمية تعميق أواصر الأخوة العربية كنهج إنساني وقومي.

لقد آلت الإمارات على نفسها ضرورة الوقوف إلى جانب أي شعب عربي في أيام المحن والشدائد، انطلاقاً من الدور الريادي والقومي للدولة، ولأنها تظل على الدوام في حالة يقظة لمتابعة قضايا عديدة تتعلق بالأمة العربية، ولا تدخر جهداً في مواقفها الإنسانية، ولا تغفل عنها ولا تقف عاجزة أو يائسة أمام الصعوبات التي تنتاب المنطقة، ويستحيل عليها إنْ شعرت بدولة عربية بحاجة إلى مساندة إلا أن تبادر وبكل حرص واهتمام لمساعدتها، فكانت تحركاتها بادية للعيان وساطعة وتنطلق على الدوام من أعمال تفيد المجتمعات العربية، وهي لا تجمد أمام ما يعتمل الواقع العربي ولا تتبلد بالركود أو الغفلة والنسيان.

تاريخياً اتسمت السياسة الخارجية لدولة الإمارات، والتي وضع نهجها الوالد مؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، بالحكمة والاعتدال، وارتكزت على قواعد استراتيجية ثابتة تتمثل في الحرص على التزامها بميثاق الأمم المتحدة واحترامها المواثيق والقوانين الدولية، والوقوف إلى جانب قضايانا القومية.

وقد شكّل الاتصال الأخوي، الذي جرى بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والرئيس السوري بشار الأسد، خطوة هامة ومبادرة ذات شأن قومي في سبيل استكمال المسار، الذي ابتدأته القيادة الإماراتية بعد إعلان استئناف العمل الدبلوماسي بإعادة فتح سفارة الإمارات في دمشق، ويمكن الإشارة إلى ما قاله صاحب السمو ولي عهد أبوظبي آنذاك: “بحثت هاتفياً مع الرئيس السوري بشار الأسد تداعيات انتشار فيروس كورونا، وأكدت له دعم دولة الإمارات ومساعدتها للشعب السوري الشقيق في هذه الظروف الاستثنائية.. التضامن الإنساني في أوقات المحن يسمو فوق كل اعتبار، وسوريا العربية الشقيقة لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة”.

واكتسبت زيارة وزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد آل نهيان، ظهر أمس الأول، إلى دمشق، واجتماعه مع الرئيس السوري، أهمية بالغة، إذ تهدف إلى كسر العزلة عن دمشق، والتي امتدت لعشر سنوات، وتأتي أيضاً تعميقاً لمسار العلاقات الإماراتية السورية، وبخاصة بعد إعادة الإمارات فتح سفارتها في دمشق نهاية 2018م، وتبعتها فيما بعد البحرين وسلطنة عُمان.. حينها قامت الإمارات بتقديم مساعدات طبية وغذائية للمستشفيات في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، وفي خريف عام 2017م، سافر وفدٌ إماراتي إلى دمشق من أجل تفقُّد الواقع الميداني وتقييم احتياجات التنمية وإعادة الإعمار، وقامت الإمارات بتمويل وإعادة بعض المباني العامة ومحطات الطاقة الحرارية وشبكات المياه في العاصمة السورية.

وضمن هذا السياق، كان استئناف التحرك الإماراتي مع سوريا، بغية إنقاذها مما اعتراها من أزمات سياسية واقتصادية، أثرت بوقائعها على الشعب السوري، فالاقتصاد السوري المتنامي أساساً، تراجع بشكل كبير نتيجة للأزمة التي تمر بها البلاد، منكمشاً بنسبة عالية خلال الأعوام الماضية، مع دمار واسع في البنية التحتية والمرافق الخدمية.

وقد قدمت دولة الإمارات مساعدات إنسانية لإنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة وحماية الكرامة الإنسانية، وأسهمت في مجموعة واسعة من حالات الطوارئ من خلال العمل متعدد الأطراف في ميادين صحية واجتماعية واقتصادية، وكذلك عمليات المساعدة المباشرة، وقدمت مؤسسات إماراتية حكومية وشركات خاصة مساعدات إنسانية واجتماعية للسوريين.

وتترسخ العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وسوريا بهدف توسيع آفاق الشراكة المثمرة والواعدة بين البلدين في مرحلة ما بعد كوفيد-19، وعلى هامش الحدث الاستثنائي العالمي، معرض إكسبو 2020 دبي جرى توضيح سبل التعاون الاقتصادي بين وزيري اقتصاد البلدين، وتنويع خطط الفرص الاقتصادية والاتفاق على إعادة تشكيل وتفعيل مجلس رجال الأعمال السوري الإماراتي، وتشجيع التبادل التجاري والاستثماري والتعاون الاقتصادي، فيما تجاوزت قيمة الاستثمار السوري المباشر في دولة الإمارات 1.5 مليار درهم بنهاية 2019م.

وتعد دولة الإمارات أهم الشركاء التجاريين لسوريا على المستوى العالمي، إذ تحتل المرتبة الأولى عربياً والثالثة عالمياً، إذ تستحوذ على ما يتجاوز نسبته 14% من تجارة سوريا الخارجية.

إجمالاً، فإن الانفتاح العربي على الدولة السورية له أهميته، فعودة سوريا للحضن العربي تحمل مؤشرات أمنية واقتصادية وجيوسياسية، باعتبار سوريا عضوا مؤسسا في الجامعة العربية، وبإمكانها أن تلعب دوراً هاماً وحيوياً مع أشقائها العرب في السياسة الإقليمية للعالم العربي، وبخاصة مع دول الجوار، وخارج نطاق الأزمة الحالية، فإن لدمشق علاقات وثيقة مع مصر والعراق ولبنان والأردن ودول الخليج العربي.

دولة الإمارات اليوم هي محور العمل العربي في رأب التصدعات والشروخ القائمة بين دول المنطقة، والعمل بإخلاص لإزالة العقبات أمام الأشقاء العرب وتوطيد علاقات التعاون لما فيه ازدهار واستقرار وأمن شعوب المنطقة.

نقلا عن العين الإخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى