سياسة

هل تستطيع الولايات المتحدة الانسحاب من الناتو بسهولة؟


يتصاعد الجدل حول مستقبل عضوية الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، مع تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية الانسحاب، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية لاحتواء التوتر.

فقد أعلن الأمين العام للحلف مارك روته أنه يعتزم زيارة واشنطن خلال الأسبوع المقبل، في خطوة وُصفت بأنها «مخطط لها منذ فترة طويلة»، لكنها تأتي في توقيت حساس مع تصاعد انتقادات ترامب للحلفاء الأوروبيين على خلفية الحرب مع إيران.

وتعكس هذه الزيارة محاولة للحفاظ على تماسك الحلف، في ظل تصريحات أمريكية غير مسبوقة تشكك في جدوى «الناتو».

من الانتقاد إلى التهديد

وصعّد ترامب من لهجته تجاه الحلف، منتقدًا ما اعتبره تقاعس دول أوروبية عن دعم الجهود العسكرية، خصوصًا في ما يتعلق بتأمين الملاحة في مضيق هرمز.

ووصف الحلف بأنه «نمر من ورق»، معتبرًا أن بعض الحلفاء «سيئون للغاية»، ومشيرًا إلى أن الولايات المتحدة «قد لا تحتاج إليهم».

كما أكد أنه يدرس بجدية خيار الانسحاب، ما يضع التحالف الغربي أمام اختبار غير مسبوق منذ تأسيسه.

الدستور الأمريكي.. غموض يفتح باب التأويل

ووفق رويترز، ينص الدستور الأمريكي على أن المعاهدات تُبرم بموافقة ثلثي مجلس الشيوخ، لكنه لا يحدد آلية واضحة للانسحاب منها، ما يخلق حالة من الغموض القانوني.

هذا الفراغ أفسح المجال لتفسيرات متباينة حول ما إذا كان الرئيس يستطيع اتخاذ قرار الانسحاب منفردًا، أم أن الأمر يتطلب موافقة تشريعية مماثلة لإقرار المعاهدة.

معاهدة الناتو.. انسحاب ممكن نظريًا

وتنص المادة 13 من معاهدة حلف شمال الأطلسي على إمكانية انسحاب أي دولة عضو بعد تقديم إشعار مسبق مدته عام.

ورغم هذا النص، لم يسبق لأي دولة أن انسحبت من الحلف منذ تأسيسه عام 1949، ما يجعل أي خطوة أمريكية محتملة سابقة تاريخية قد تعيد رسم النظام الأمني العالمي.

الكونغرس يضع قيودًا صارمة

وفي عام 2023، أقر الكونغرس الأمريكي قانونًا يمنع الرئيس من الانسحاب من «الناتو» دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، ,وقعه الرئيس الديمقراطي آنذاك جو بايدن.

كما يحظر القانون استخدام الأموال الفيدرالية لتنفيذ أي قرار انسحاب، ما يشكل عائقًا عمليًا أمام أي تحرك أحادي.

ويحظر القانون على أي رئيس أمريكي تعليق أو إنهاء أو إبطال أو الانسحاب من المعاهدة التي تأسس بموجبها حلف شمال الأطلسي، إلا بموافقة أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ المكون من 100 عضو.

ويعكس هذا التشريع قلقًا داخل المؤسسة التشريعية من تداعيات خطوة كهذه على الأمن القومي الأمريكي والتحالفات الدولية.

وتم تقديم التشريع في صورة تعديل لقانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2024، وهو مشروع قانون سنوي ضخم يحدد سياسة البنتاغون.

وكان الراعيان الرئيسيان للتعديل هما السناتور الديمقراطي تيم كين عن ولاية فرجينيا والسناتور الجمهوري آنذاك ماركو روبيو عن ولاية فلوريدا.

وقال روبيو، الذي يشغل حاليا منصب وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي في إدارة ترامب، الثلاثاء، إن واشنطن ستضطر إلى إعادة النظر في علاقاتها مع حلف شمال الأطلسي بعد الحرب مع إيران التي اندلعت في 28 فبراير/ شباط.

كما نص التعديل على قانون تفويض الدفاع الوطني على عدم جواز إنفاق أي أموال أمريكية على الانسحاب من حلف شمال الأطلسي.

صراع محتمل أمام القضاء

رغم القيود، تشير آراء قانونية سابقة إلى أن الرئيس قد يمتلك صلاحية الانسحاب من المعاهدات، ما يفتح الباب أمام مواجهة دستورية محتملة.

وفي حال اتخاذ قرار رسمي، قد تُحال القضية إلى المحكمة العليا، التي لم تنظر سابقًا في نزاع مماثل، ما يزيد من تعقيد المشهد القانوني.

وبموجب القانون الدولي، يتمتع رئيس الدولة عموما بسلطة الانسحاب من أي معاهدة، إذا كانت المعاهدة تسمح بالانسحاب وطالما التزمت الدولة بإجراءات الانسحاب.

لكن القانون الأمريكي أقل وضوحا على الرغم من أن رؤساء انسحبوا من عدة معاهدات دون موافقة الكونغرس، بما في ذلك انسحاب ترامب في 2020 من معاهدة «السماوات المفتوحة» التي تضم 35 دولة وتسمح برحلات مراقبة غير مسلحة فوق الدول الأعضاء.

وإذا انتهى الأمر إلى المحاكم، فإن الطعن في قرار ترامب سيواجه عقبات كبيرة. وتشمل هذه العقبات تحديد من يملك الصفة القانونية، أي من له مصلحة شخصية ترتبط بالنتيجة، للطعن في الانسحاب.

ولم تنظر المحكمة العليا الأمريكية، التي كثيرا ما تحكم أغلبيتها المحافظة لصالح ترامب، قط في قضية انسحاب من معاهدة بناء على موضوعها.

ما وراء القانون.. تأثير الإرادة السياسية

يرى خبراء لرويترز أن التأثير الفعلي لا يرتبط فقط بقرار الانسحاب، بل بمدى التزام الإدارة الأمريكية بالحلف.

فحتى دون مغادرة رسمية، يمكن لواشنطن تقليص دورها العسكري والسياسي داخل «الناتو»، ما قد يضعف الحلف عمليًا ويغيّر توازناته.

سيناريوهات متعددة

وفي ضوء هذا التصعيد، تبدو الخيارات المطروحة متعددة ومفتوحة على احتمالات متباينة؛ فقد تنجح التحركات الدبلوماسية، مثل زيارة الأمين العام للحلف إلى واشنطن، في احتواء التوتر وامتصاص الخلافات، بما يعيد تأكيد التزام الولايات المتحدة داخل «الناتو».

وفي المقابل، قد يواصل ترامب استخدام ورقة الانسحاب كأداة ضغط لإجبار الحلفاء الأوروبيين على تحمل أعباء أكبر، دون الذهاب إلى خطوة فعلية. أما السيناريو الأكثر تعقيدًا، فيتمثل في محاولة انسحاب رسمي قد تجرّ نزاعًا قانونيًا داخليًا بين البيت الأبيض والكونغرس، مع ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية ودستورية.

وبين هذه المسارات، يظل احتمال بقاء الولايات المتحدة داخل الحلف مع تقليص دورها العسكري والسياسي قائمًا، وهو خيار قد يعيد تشكيل «الناتو» عمليًا دون تفكيكه رسميًا.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى