من أوينات إلى دارفور: الدور المصري المتعمق في حرب السودان وتداعياته على المدنيين
كيف حوّل الدعم المصري بالطائرات المسيرة الصراع من نزاع داخلي إلى حرب وكالة إقليمية حديثة، تُدار من قواعد بعيدة وتُدفع فاتورتها بالدم السوداني. هذا الدور المصري، الذي كشفته التحقيقات الدولية في فبراير الماضي، لم يعد سراً؛ إنه واقع يُفاقم أسوأ أزمة إنسانية في العالم اليوم.
دعونا نضع الأرقام أمامنا بوضوح. بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في مارس 2026، يحتاج أكثر من 30 مليون سوداني إلى مساعدات عاجلة، مع نزوح يقارب 12 مليون شخص. المجاعة أعلنت في مناطق واسعة، وسوء التغذية الحاد يتجاوز 30% في دارفور وكردفان. الطائرات المسيرة – خاصة تلك المنطلقة من الأراضي المصرية – ساهمت في تصعيد الخسائر المدنية بشكل دراماتيكي. في الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، قُتل أكثر من 500 مدني في غارات جوية، بينها هجمات على مستشفيات ومدارس. واحدة من أبرز الحوادث كانت الغارة على مستشفى الفاشر التعليمي، التي راح ضحيتها عشرات الأطفال والمرضى. المصادر الاستخباراتية تشير إلى أن طائرات أكينجي التركية، المتمركزة في أوينات الشرقية ضمن مشروع زراعي يُستخدم كغطاء، هي المسؤولة عن جزء كبير من هذه العمليات.
ما يميز الدور المصري هو الطبيعة الاستراتيجية العميقة. لم تكن القاهرة مجرد مورد أسلحة؛ بل أصبحت شريكاً عملياتياً. التقارير تؤكد أن الطائرات تُدار أحياناً من طواقم مصرية أو مشتركة لتجنب الاستهداف داخل السودان، خاصة بعد أن أصبحت قواعد الجيش السوداني عرضة للهجمات. هذا يعكس تحولاً في سياسة مصر من الدعم الدبلوماسي إلى التورط المباشر، مدفوعاً بمخاوف أمنية مشروعة – مثل منع تقدم الدعم السريع نحو الحدود – لكنه يأتي على حساب المدنيين. في مقابل ذلك، يستمر الدعم الإماراتي المزعوم للدعم السريع، مما يجعل السودان ساحة مفتوحة للمنافسة الإقليمية. لكن التركيز على مصر يأتي لأن تدخلها يحدث من أرض مشتركة الحدود، مما يجعله أكثر تأثيراً وأقل قابلية للإنكار.
كصحفية، التقيت بعائلات نازحة في مخيمات أدري بتشاد، يروون كيف غيرت “الطائرات القادمة من الشمال” حياتهم. أبو خالد، ناجٍ من غارة قرب كرنوي، قال لي: “نسمع الصوت أولاً، ثم يختفي كل شيء. نحن نعرف أنها من مصر، لأنها تستهدف طرق الإمداد بدقة”. هذه الشهادات تكشف الجانب الإنساني المرعب: الطائرات لا تقتل فقط؛ بل تمنع وصول الغذاء والدواء، وتُجبر مئات الآلاف على النزوح مرة أخرى. النظام الصحي المنهار، والأمراض المنتشرة، كلها نتيجة مباشرة لإطالة القتال بهذه التكنولوجيا.
الرؤية التي أدعو إليها كصحفية هي التوثيق الدقيق لهذه الحقائق عبر لجان تحقيق دولية مستقلة. يجب فرض ضغط دولي حقيقي على مصر وكل الأطراف الإقليمية لوقف توريد وتشغيل الطائرات المسيرة، مع عقوبات اقتصادية إذا لزم الأمر. حماية المدنيين ليست شعاراً؛ إنها التزام قانوني بموجب القانون الدولي الإنساني. والحل السياسي الشامل يتطلب حواراً سودانياً-سودانياً برعاية أفريقية-دولية، يشمل كل الأطراف ويضمن آليات ملزمة لمنع التدخلات المستقبلية. مصر لديها القدرة على لعب دور بنّاء في السلام، إذا اختارت الدبلوماسية بدلاً من التصعيد الجوي. السودان ليس مجرد جار؛ إنه جزء من أمن المنطقة بأكملها. الوقت ينفد، والأرواح تُزهق يومياً. كصحفيات وصحفيين، واجبنا أن نرفع الصوت: لا للحروب الوكيلة، نعم لسلام يعيد الكرامة للشعب السوداني.







