ليلة النهاية.. تفاصيل اغتيال أسامة بن لادن في باكستان
قبل دقائق من انتصاف ليل الثاني من مايو/أيار 2011، انطلقت مروحيتان أمريكيتان من طراز “بلاك هوك” من قاعدة جلال آباد شرقي أفغانستان، تشقان ظلامًا كثيفًا في واحدة من أكثر العمليات العسكرية سرية وجرأة في التاريخ الحديث.
على متن المروحيتين كان 23 عنصرًا من قوات النخبة التابعة للبحرية الأمريكية يتأهبون لتنفيذ مهمة استثنائية حملت الاسم الرمزي “رمح نبتون”، بهدف قتل أو اعتقال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، الذي ظل هاربا لسنوات طويلة منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي أودت بحياة نحو ثلاثة آلاف شخص وغيرت مسار السياسة الدولية.
ووفقا لتقرير صحيفة ديلي ميل، فقد حلقت المروحيتان على ارتفاع منخفض للغاية فوق تضاريس جبلية وعرة، مستخدمتين تقنيات متطورة للتخفي عن أنظمة الرصد الباكستانية، فيما تبعتهما مروحيتا “شينوك” تحملان وقودًا إضافيًا وقوة احتياطية جاهزة للتدخل أو تأمين الانسحاب إذا ما تعثرت المهمة.

في تلك الأثناء، كان الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما وكبار مسؤولي الأمن القومي يتابعون تطورات العملية لحظة بلحظة من غرفة العمليات في البيت الأبيض، بعد أشهر من التحضير الاستخباراتي المكثف الذي اعتمد على صور الأقمار الصناعية والمراقبة الإلكترونية الدقيقة لتحديد موقع المجمع السكني الذي كان يتحصن فيه بن لادن بمدينة أبوت آباد الباكستانية.
وعلى مدى أشهر، أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية نموذجًا مطابقًا للمجمع السكني، بكل تفاصيله المعمارية، لتدريب القوة المنفذة على سيناريوهات الاقتحام المختلفة.
لكن مع بدء التنفيذ، واجهت العملية اختبارًا غير متوقع حين فقدت إحدى المروحيات توازنها أثناء محاولة الهبوط داخل المجمع، فاصطدم ذيلها بأحد الجدران واضطرت إلى هبوط اضطراري.

ورغم الحادث الذي كاد يهدد نجاح المهمة، تعاملت القوة المهاجمة بسرعة واحترافية، وانتشرت داخل الموقع بينما واصلت المروحية الثانية مهمتها في إنزال بقية العناصر.
في الداخل، كان بن لادن قد استيقظ على وقع الضجيج، وظن في البداية أن ما يسمعه ناجم عن اضطراب جوي عابر. غير أن المشهد سرعان ما انكشف أمامه مع انقطاع الكهرباء وتصاعد أصوات الانفجارات والاشتباكات، ليُدرك أن سنوات التخفي خلف أسوار المجمع العالية شارفت على نهايتها.
فقد نجحت الاستخبارات الأمريكية، عبر تتبع أحد أبرز رسله، المعروف باسم أبو أحمد الكويتي، في كشف موقعه بعد مراقبة دقيقة لتحركاته واتصالاته، وصولًا إلى تحديد هذا المخبأ الذي ظل محاطًا بإجراءات أمنية استثنائية، من بينها حرق النفايات ومنع أي اتصال خارجي مباشر.
اقتحمت قوات الكوماندوز المجمع بسرعة، مستخدمة متفجرات خاصة لتفجير الأبواب والحواجز. وخلال التقدم، قُتل أبو أحمد الكويتي بعد تبادل لإطلاق النار، كما سقط شقيقه أبرار وزوجته خلال الاشتباك في الطابق الأرضي.
وفي الطابق الثاني، لقي خالد بن لادن، نجل زعيم القاعدة، مصرعه بعدما استجاب لنداء أحد العناصر وخرج من مخبئه للحظات كانت كافية لإنهاء المواجهة.
أما في الطابق الثالث، حيث كان الهدف الرئيسي، فقد حُسمت العملية خلال ثوانٍ معدودة. هناك، وُجد أسامة بن لادن خلف زوجته أمل.
وفي اللحظات التالية أطلق روبرت أونيل، الجندي الذي نُسبت إليه الرصاصة الذهبية، عليه رصاصتين فانشقت رأس بن لادن وسقط، ثم أطلق رصاصة ثالثة ليؤكد موت بن لادن، لتنتهي بذلك مطاردة استمرت قرابة عقد كامل.
وسرعان ما انتقلت عبر أجهزة الاتصال الشفرة المتفق عليها إلى غرفة العمليات في واشنطن، معلنة نجاح المهمة وتأكيد القضاء على الرجل الأكثر مطاردة في العالم.

بعد تأمين الموقع، ركزت القوة الأمريكية على جمع ما اعتُبر كنزًا استخباراتيًا بالغ الأهمية، شمل أجهزة حاسوب وأقراصًا صلبة ووسائط تخزين رقمية وهواتف ووثائق ورقية كشفت لاحقًا تفاصيل واسعة عن شبكات تنظيم القاعدة وامتداداته.
وفي الوقت ذاته، جرى تفخيخ المروحية المتضررة وتفجيرها لمنع وقوع تقنياتها الحساسة في الأيدي الباكستانية، قبل أن تبدأ القوة انسحابها السريع مع تصاعد احتمالات رصد السلطات المحلية لما يجري.
نُقل جثمان بن لادن إلى قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان، حيث أكدت اختبارات الحمض النووي وبصمات الأصابع هويته بشكل قاطع، الأمر الذي مهّد لظهور الرئيس أوباما في خطاب متلفز أعلن خلاله نجاح العملية، مؤكدًا أن الولايات المتحدة حققت العدالة بعد سنوات من المطاردة.
وبعد ساعات قليلة، نُقل الجثمان إلى حاملة الطائرات الأمريكية “كارل فينسون” في شمال بحر العرب، حيث جرى غسله وتكفينه وفق الطقوس الإسلامية، قبل أن يُوارى في البحر في خطوة هدفت إلى منع تحويل قبره إلى رمز أو مزار.
بهذه العملية، أُسدل الستار على فصل دامٍ من تاريخ “الحرب على الإرهاب”، وانتهت حياة الرجل الذي انتقل من حياة هادئة نسبيًا إلى زعامة تنظيم هزّ العالم، قبل أن تنتهي رحلته داخل مجمع معزول في أبوت آباد، في ليلة ستظل محفورة في ذاكرة السياسة والأمن الدوليين بوصفها واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية والعسكرية تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين.







