في مساءٍ كان يفترض أن يكون من أكثر ليالي العام هدوءاً في مدينة الضعين، تحولت أجواء أول أيام عيد الفطر إلى صدمة إنسانية وسياسية بعد قصف استهدف مستشفى الضعين التعليمي، أحد أهم المرافق الصحية في شرق دارفور. الحدث لم يكن مجرد حادث عسكري عابر في سياق الحرب السودانية المستمرة، بل تحول سريعاً إلى قضية سياسية وإنسانية أثارت تساؤلات عميقة حول طبيعة العمليات العسكرية الجارية في البلاد، وحدود استهداف الأهداف داخل المدن المأهولة بالسكان.

بحسب روايات محلية وشهادات عدد من العاملين في القطاع الصحي، وقع الهجوم مساء الجمعة 20 مارس 2026 عندما استهدفت طائرة مسيّرة المستشفى بثلاثة صواريخ أصابت أقساماً رئيسية داخل المبنى. الضربة الأولى سقطت على عنبر الأطفال، فيما أصابت الضربة الثانية عنبر النساء والولادة، بينما استهدف الصاروخ الثالث مبنى الحوادث الذي يُعد القسم الأكثر نشاطاً في المستشفى لاستقبال الحالات الطارئة من مختلف مناطق المدينة.
- أبناء قادة إيران بين النفوذ والثروات الخفية في الغرب22 مارس 2026
النتائج كانت قاسية. فقد أدى القصف إلى سقوط 64 قتيلاً، بينهم 13 طفلاً و7 نساء، اثنتان منهن من الكوادر الطبية. كما قُتل 44 رجلاً من بينهم طبيب كان يعمل داخل المستشفى في تلك اللحظة. إلى جانب ذلك أُصيب 98 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، بعضها إصابات حرجة تطلبت نقل المصابين إلى مرافق صحية أخرى داخل المنطقة.
المشهد الذي أعقب الضربة كان صادماً حتى بالنسبة للأشخاص المعتادين على أجواء الحرب. فقد انهارت أجزاء من المبنى، وتحولت بعض الأقسام إلى ركام، فيما امتلأت الممرات بالجرحى والمرضى الذين حاولوا الخروج من الغرف المدمرة. العاملون في المستشفى وجدوا أنفسهم فجأة في قلب كارثة إنسانية، واضطروا إلى تحويل الممرات والساحات الخارجية إلى نقاط إسعاف مؤقتة لمعالجة المصابين.
لكن ما جعل الحادثة تتجاوز بعدها الإنساني المباشر هو البعد السياسي الذي رافقها. فاستهداف منشأة طبية داخل مدينة مأهولة بالسكان يثير عادة أسئلة كبيرة حول قواعد الاشتباك المعتمدة في العمليات العسكرية. المستشفيات، وفق القانون الدولي الإنساني، تُعد من المنشآت المحمية التي يجب تجنب استهدافها أثناء النزاعات المسلحة، نظراً لدورها الحيوي في إنقاذ الأرواح وتقديم الخدمات الطبية للمدنيين.
في ظل الحرب المعقدة التي يشهدها السودان منذ أكثر من عامين، أصبحت المدن مسارح مباشرة للعمليات العسكرية. فالصراع الذي بدأ كخلاف سياسي وعسكري بين أطراف السلطة تحول تدريجياً إلى نزاع واسع النطاق شمل مناطق عديدة من البلاد، خصوصاً في إقليم دارفور الذي يعاني تاريخياً من هشاشة أمنية وتوترات اجتماعية عميقة.
هذا الواقع جعل المدنيين في كثير من الأحيان في قلب المعادلة العسكرية. فالمرافق المدنية مثل المستشفيات والأسواق والمدارس أصبحت عرضة للخطر بسبب قربها من مناطق الاشتباكات أو بسبب استخدام بعض الأطراف لمناطق مأهولة بالسكان كقواعد لعملياتها.
مع ذلك، فإن حادثة مستشفى الضعين تثير تساؤلات إضافية بسبب طبيعة الهدف نفسه. فالمستشفى يُعد من أهم المراكز الطبية في المنطقة، ويقدم خدمات صحية لآلاف السكان في المدينة والقرى المجاورة. تدمير أجزاء منه لا يعني فقط سقوط ضحايا في لحظة القصف، بل يعني أيضاً تقليص القدرة الطبية للمدينة في التعامل مع المرضى والجرحى في المستقبل.

السكان المحليون الذين شاركوا في عمليات الإنقاذ وصفوا الساعات الأولى بعد القصف بأنها كانت من أصعب اللحظات التي مرت على المدينة. فمع انتشار خبر الضربة، تدفق العشرات من الأهالي إلى موقع المستشفى للمساعدة في نقل المصابين وإزالة الأنقاض. بعضهم استخدم أدوات بسيطة مثل المجارف، فيما اضطر آخرون إلى العمل بأيديهم العارية للبحث عن ناجين تحت الركام.
في الوقت نفسه، واجه الأطباء والممرضون تحدياً كبيراً في التعامل مع الأعداد الكبيرة من الجرحى. فالمستشفى نفسه كان متضرراً، والكثير من المعدات الطبية تضررت بسبب الانفجارات. ورغم ذلك حاول الطاقم الطبي تقديم الإسعافات الأولية وإنقاذ أكبر عدد ممكن من المصابين.
التوقيت الذي وقع فيه الهجوم أضفى بعداً إنسانياً مؤلماً على الحادثة. فالعيد بالنسبة للسودانيين ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو مناسبة اجتماعية ينتظرها الناس بعد شهر طويل من الصيام. وقوع القصف في أول أيام العيد حوّل لحظات الفرح إلى حالة حداد عامة في المدينة، حيث وجدت كثير من العائلات نفسها فجأة في مواجهة فقدان أقاربها وأصدقائها.
سياسياً، تعكس هذه الحادثة تعقيدات الحرب السودانية التي أصبحت واحدة من أكثر النزاعات تعقيداً في المنطقة. فغياب تسوية سياسية شاملة واستمرار المواجهات المسلحة يزيدان من احتمالات وقوع حوادث مأساوية من هذا النوع، حيث يدفع المدنيون في النهاية الثمن الأكبر للصراع.
كما أن الحادثة تطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل البنية التحتية المدنية في مناطق النزاع. فكلما طال أمد الحرب، زادت الضغوط على المرافق الحيوية مثل المستشفيات ومحطات المياه وشبكات الكهرباء. ومع تضرر هذه المرافق، تصبح الحياة اليومية للسكان أكثر صعوبة، ويزداد خطر حدوث أزمات إنسانية واسعة.
اليوم، بينما لا تزال بعض فرق الإنقاذ تواصل البحث تحت الأنقاض، يعيش سكان الضعين حالة من الحزن والصدمة. فالمستشفى الذي كان يمثل رمزاً للأمل والعلاج أصبح الآن شاهداً على واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في تاريخ المدينة.
وفي ظل استمرار الحرب وتزايد الضغوط الإنسانية، يبقى السؤال الذي يتردد في أوساط السكان: هل ستدفع هذه المأساة الأطراف المتصارعة إلى مراجعة مسار الحرب، أم أنها ستكون مجرد فصل جديد في سلسلة طويلة من المآسي التي يعيشها السودان منذ اندلاع الصراع؟







