سياسة

سياسة الدفاع الأمامي في مأزق.. إيران تواجه ضعفا متزايدا


من لبنان إلى الداخل الإيراني، تجد إيران نفسها محاصرة باستراتيجية صاغتها أياديها، وتدخل في دوامة تصعيد بـ”لا أفق”.

وقال معهد “تشاتام هاوس” في دراسة حديثة، إن العقيدة التي صُممت لحماية إيران وإبعاد شبح الحرب عن حدودها، تحوّلت تدريجيًا  إلى عامل رئيسي في جرّها نحو صراع مفتوح يهدد بإضعافها وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.

وأشار إلى أن طهران تبنّت على مدى أكثر من أربعة عقود، ما تُسميه «الدفاع الأمامي» أو «الدفاع الاستباقي»، وهو نهج تبلور عقب الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988).

خلال تلك الحرب، وجدت إيران نفسها معزولة نسبيًا في مواجهة نظام مدعوم إقليميًا ودوليًا، ما دفع قادتها إلى استخلاص درس استراتيجي حاسم: ضرورة نقل خطوط المواجهة إلى خارج الحدود، وبناء أدوات ردع غير تقليدية تقلّل من احتمالات الحرب المباشرة.

من هنا، استثمرت إيران في تطوير برنامجها الصاروخي، والأهم في بناء شبكة إقليمية من الحلفاء المسلحين، عُرفت لاحقًا بـ«محور المقاومة»، وفق الدراسة.

كان لبنان النموذج الأول والأبرز، مع تأسيس حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتوسع هذا النهج ليشمل العراق بعد 2003، وسوريا بعد 2011، واليمن عقب صعود الحوثيين في 2014، إضافة إلى علاقات مع فصائل فلسطينية مسلحة.

من وجهة نظر طهران، شكّل هذا المحور منظومة ردع فعّالة: شبكة متعددة الجبهات قادرة على محاصرة إسرائيل، واستنزاف خصوم إيران، دون الانجرار إلى حرب شاملة.

وبحلول منتصف العقد الماضي، كانت إيران تتباهى بنفوذها في أربع عواصم عربية، معتبرة ذلك دليلًا على نجاح استراتيجيتها في توسيع عمقها الاستراتيجي.

ثمن التوسع

لكن هذا التوسع لم يكن بلا ثمن. فقد دفعت إيران فاتورة مالية وعسكرية ضخمة للحفاظ على هذه الشبكة، في وقت كانت تواجه فيه عقوبات اقتصادية قاسية.

كما ساهم تدخلها في صراعات المنطقة في تعميق هشاشة الدول العربية، من العراق إلى سوريا واليمن، ما عزز صورة طهران كقوة توسعية في نظر خصومها الإقليميين.

الأهم أن هذه السياسة أعادت تشكيل نظرة إسرائيل إلى إيران، من خصم يمكن احتواؤه إلى تهديد وجودي.

ومع هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، التي أظهرت قدرة غير مسبوقة للفصائل المرتبطة بمحور إيران على ضرب العمق الإسرائيلي، تبنّت تل أبيب استراتيجية جديدة تقوم على تفكيك هذه الشبكة بدلًا من احتوائها.

تدريجيًا، خرج الصراع من نطاق «حرب الظل» إلى المواجهة المفتوحة. توسعت العمليات العسكرية الإسرائيلية من غزة إلى لبنان وسوريا، وتكثفت الضربات ضد أهداف إيرانية مباشرة، وصولًا إلى حرب الأيام الاثني عشر في صيف 2025، التي مثّلت ذروة هذا التصعيد.

ومع الضربات الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفت البرنامج النووي والبنية الصاروخية الإيرانية، دخلت المواجهة مرحلة غير مسبوقة.

في هذه اللحظة، تتكشف حدود «الدفاع الأمامي». فبدلًا من إبقاء المعركة بعيدًا عن الأراضي الإيرانية، أسهمت الشبكة الإقليمية في خلق ساحات تصعيد متعددة، وفّرت لإسرائيل والولايات المتحدة مبررًا لتوسيع نطاق المواجهة.

وهكذا، تحوّلت الأداة الدفاعية إلى ما يشبه «الفخ الاستراتيجي» الذي أعاد توجيه الصراع نحو الداخل الإيراني.

في الوقت نفسه، تلقّت مكونات «محور المقاومة» ضربات قاسية، فتكبّدت الفصائل الفلسطينية خسائر كبيرة في غزة، ويواجه حزب الله ضغوطًا عسكرية متواصلة. كما يتعرض الحوثيون لضربات متكررة.

بينما أدى انهيار النظام السوري إلى إضعاف أحد أهم أعمدة هذا المحور. ونتيجة لذلك، باتت هذه الأطراف أكثر انشغالًا بالبقاء من قدرتها على العمل كأدوات نفوذ إيراني فعّالة.

ورغم أن هذه الشبكات لن تختفي بسهولة، نظرًا لجذورها المحلية، فإن قدرة إيران على تمويلها وتنسيقها ستتراجع بفعل الضغوط العسكرية والاقتصادية. فالحرب الحالية لا تستهدف فقط القدرات العسكرية الإيرانية، بل تسعى أيضًا إلى تقويض بنيتها الإقليمية بأكملها.

صعوبات اقتصادية

اقتصاديًا، تواجه إيران وضعًا أكثر تعقيدًا. فإلى جانب العقوبات المزمنة، تضيف الحرب أعباء جديدة تتمثل في تراجع التجارة، وارتفاع تكاليف الدفاع، واحتمالات إعادة الإعمار. أما سياسيًا، فإن استمرار الضغط الخارجي قد يفاقم التحديات الداخلية، ويضع النظام أمام اختبارات غير مسبوقة.

ومهما كانت مآلات هذه الحرب – سواء انتهت بتسوية تفاوضية أو بتغيرات أعمق – يبدو أن النتيجة الأرجح هي إيران أضعف، وأقل قدرة على الحفاظ على مستوى نفوذها الإقليمي السابق. وهذا لا يعني خروجها من المعادلة، بل دخولها مرحلة إعادة تموضع استراتيجي.

وخلصت الدراسة إلى أن الأزمة الراهنة تكشف أن «الدفاع الأمامي» الذي صُمم كدرع وقائي، حمل في طياته بذور تناقضه: إذ أدى توسيع مسارح النفوذ إلى توسيع مسارح الصراع، وربط أمن إيران بشبكات يصعب التحكم في مساراتها التصعيدية.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى