بعد ’نيو ستارت‘.. مخاوف من حرب باردة ثلاثية الأطراف
شبح سباق التسلح النووي يعود ليخيم على العالم، لكن هذه المرة في صورة أكثر تعقيدًا وخطورة من حقبة الحرب الباردة.
ففي عام 1961، وخلال ذروة سباق تسلح الحرب الباردة، ألقت طائرة سوفياتية تحلق فوق أرخبيل نوفايا زيمليا في القطب الشمالي قنبلة “الإمبراطور”.
وبحسب صحيفة “التليغراف” البريطانية، فإن القنبلة النووية كانت أقوى بثلاثة آلاف مرة من القنبلة النووية الأمريكية التي أودت بحياة 140 ألف شخص في هيروشيما قبل عقدين.
ومنذ ذلك الوقت، أدت عقود من المفاوضات ومعاهدات الحد من التسلح إلى تقليص ترسانات الرؤوس الحربية الأمريكية والروسية بشكل كبير، ولم يجرِ أي من الجانبين تجربة قنبلة نووية لأكثر من ثلاثة عقود.
لكن اليوم تبددت الآمال في طي صفحة سباق التسلح النووي بعدما انتهى الأمر بآخر الاتفاقيات الثنائية وهي معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية “نيو ستارت” التي حددت عدد الرؤوس الحربية النووية المنتشرة لدى الولايات المتحدة وروسيا.
وهذه هي المرة الأولى منذ سبعينيات القرن الماضي التي لا يوجد فيها اتفاق بين البلدين دون وجود مفاوضات جارية على الأقل لإبرام معاهدة جديدة.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى القلق البالغ من أن الساحة الدولية باتت مهيأة لسباق تسلح نووي جديد أشد خطورة.
سباق ثلاثي
يرى الخبراء أن غياب اتفاقية للحد من التسلح يعني فقدان الشفافية، وانهيار آليات التفتيش، وتراجع القدرة على التنبؤ بنوايا الطرف الآخر.
وتتضاعف المخاطر في ظل سياق دولي متوتر، مع استخدام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للخطاب النووي للضغط على الغرب بسبب حرب أوكرانيا، فضلا عن نشر أسلحة نووية في بيلاروسيا، وتطوير أنظمة صاروخية جديدة.
وفي ظل غياب القيود، تستطيع كل من واشنطن وموسكو، خلال فترة قصيرة، مضاعفة عدد الرؤوس النووية المنتشرة عبر تحميل مخزوناتها غير المنشورة على الصواريخ والغواصات والقاذفات.
لكن العنصر الأخطر في المشهد الجديد، هو دخول الصين بقوة على خط السباق النووي ليصبح العالم اليوم في مواجهة احتمال سباق تسلح ثلاثي الأطراف بين أمريكا وروسيا والصين، وهو وضع يصفه الخبراء بأنه “غير مستقر بطبيعته”.
وستكون الصين التي يعد صعودها مصدر القلق الأكبر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرفا رئيسيا في أي سباق للتسلح بعدما طورت أسلحة نووية بوتيرة مذهلة.
وضاعفت بكين مخزونها من الرؤوس الحربية خلال السنوات الست الماضية من أقل من 300 رأس عام 2019 إلى نحو 600 رأس حاليًا، مع توقعات أمريكية بتجاوز الألف رأس بحلول 2030.
ولا يقتصر التوسع الصيني على عدد الرؤوس، بل يشمل أيضًا وسائل الإيصال فقد زادت بكين عدد منصات إطلاق الصواريخ العابرة للقارات بشكل هائل، وكشفت صور الأقمار الاصطناعية عن بناء مئات الصوامع الصاروخية في غرب البلاد.
وقد يكون الهدف من امتلاك الصين قدرة نووية قادرة على تهديد الأراضي الأمريكية ردع واشنطن عن التدخل العسكري في حال تحركت بكين ضد تايوان، وقد تعمل الصوامع النووية كـ”إسفنجة” تمتص الضربات الأولى، مما يسمح للصين بالاحتفاظ بقدرة انتقامية.
ردع مزدوج
في هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة مشكلة ضرورة ردع روسيا والصين في آن واحد.
ويحذر محللون من أن محاولة بناء ترسانة تكفي لمواجهة خصمين نوويين كبار ستقوض مبدأ الاستقرار الاستراتيجي، وتدفع الجميع إلى سباق ثلاثي يكون الردع فيه أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للسيطرة مقارنة بالثنائية التقليدية.
ورغم تأكيد الرئيس الأمريكي منذ عقود على معارضته للأسلحة النووية، إلا أنه يفتقر إلى استراتيجية واضحة للحد منها.
وعلى العكس، فإن بعض مواقف ترامب مثل التلويح باستئناف التجارب النووية أو إطلاق مشروع “القبة الذهبية” للدفاع الصاروخي، تعد خطوات تصعيدية تدفع روسيا والصين إلى تطوير أسلحة أكثر تطورًا لاختراق هذه الدفاعات.
ويرى الخبراء أن أنظمة الدفاع الصاروخي، رغم تقديمها كوسيلة حماية، غالبًا ما تؤدي عمليًا إلى تسريع سباقات التسلح، لأن الدول الأخرى تسعى لتعويضها بزيادة عدد الرؤوس أو تحسين تقنيات الاختراق.
ويثير غموض سياسة ترامب، وتأخر تعيين مسؤولين مختصين بضبط التسلح، القلق بشأن غياب الخبرة المؤسسية في إدارة أخطر ملف أمني عالمي.
تداعيات
بعد انتهاء “نيو ستارت”، لا تتوقف تداعيات انهيار منظومة ضبط التسلح عند القوى الكبرى، بل تمتد إلى الحلفاء فمع تراجع الثقة في المظلة النووية الأمريكية، قد تجد دول مثل بريطانيا وفرنسا نفسها مضطرة لتوسيع ترساناتها.
وتتضح مخاطر الانتشار النووي بشكل أكبر في شرق آسيا، فقد تفكر كوريا الجنوبية وربما اليابان لاحقًا في تطوير أسلحة نووية خاصة بها إذا شعرت بأن الضمانات الأمريكية لم تعد موثوقة.
ويحذر الخبراء من أن وجود عدد أكبر من الدول النووية سيجعل العالم أكثر عرضة للأخطاء والحوادث وسوء التقدير، فغياب الثقة وانعدام قنوات التواصل وتآكل آليات التفتيش، كلها عوامل تزيد احتمال اندلاع صراع نووي “عن طريق الخطأ”، لا بفعل قرار متعمد.
ولا يكمن الخطر الأكبر فقط في زيادة عدد الرؤوس النووية، بل في انهيار الثقافة الدبلوماسية التي نشأت خلال الحرب الباردة، والتي اعتمدت على الحوار المستمر حتى في أشد لحظات العداء.
وفي ظل عالم متعدد الأقطاب نوويًا، وقيادة سياسية متقلبة، تصبح احتمالات التصعيد غير المقصود أعلى من أي وقت مضى، ما يجعل هذه المرحلة أكثر خطورة حتى من ذروة الحرب الباردة نفسها.







