المغرب يعزز موقعه الدبلوماسي بقيادة مؤتمر نزع السلاح
تقيم رئاسة المغرب لمؤتمر نزع السلاح الدليل على اعتراف دولي بالدور المحوري الذي تلعبه الرباط كقوة ناعمة ووازنة في هندسة الأمن الإقليمي والدولي. ولا يعد اختيار المملكة لقيادة هذه الهيئة الأممية الوحيدة المكلفة بالتفاوض على معاهدات نزع السلاح مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو انعكاس لثقة المجتمع الدولي في نموذج دبلوماسي مغربي فريد يجمع بين الواقعية السياسية والالتزام الأخلاقي.
ويأتي هذا التطور تتويجاً لمسار طويل من العمل الدبلوماسي الرصين تحت قيادة العاهل المغربي الملك محمد السادس. وتتجلى أهمية هذه الخطوة في عدة نقاط، حيث ينظر العالم إلى المملكة كـ”جزيرة استقرار” في منطقة مضطربة، مما يجعلها مؤهلة للعب دور “الوسيط الموثوق” (Honest Broker) في ملفات حساسة مثل نزع السلاح النووي والكيميائي.
ويثبت الاجتماع رفيع المستوى المقرر عقده بين 23 و25 فبراير/شباط بحضور 40 شخصية دولية وازنة، من بينهم وزراء خارجية والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قدرة المغرب على إعادة الزخم للعمل متعدد الأطراف في وقت يشهد فيه العالم استقطاباً حاداً.
وتسعى رئاسة المملكة للمؤتمر لاستعادة مناخ الثقة بين القوى الكبرى، وهو تحدٍ جسيم يعكس حجم التطلعات. وتتبنى الرباط عقيدة دبلوماسية استباقية تهدف إلى حلحلة الأزمات وتحويل النزاعات إلى فرص للحوار.
وحقق المغرب اختراقات في عدة أزمات حيث برز كفاعل أساسي في الملف الليبي عبر “اتفاق الصخيرات” وما تلاه من جولات حوار بوزنيقة، إذ نجح في توفير منصة محايدة للأطراف الليبية بعيداً عن التدخلات الأجنبية، مما ساهم في تجنيب المنطقة انزلاقات أمنية كبرى.
ولا يقتصر دور المملكة على الجانب السياسي، بل يمتد للأمني والاستخباراتي، حيث تعتبر المقاربة المغربية في مكافحة الإرهاب مرجعاً دولياً يزاوج بين العمل الميداني والتعاون الدولي وإصلاح الحقل الديني.
وتقود المملكة جهودا لإنهاء الأزمات المعقدة التي تشهدها افريقيا من خلال دمج البعد التنموي بالأمني، وتسعى إلى تجفيف منابع التوتر في منطقة الساحل والصحراء، في إطار قناعتها بأن الاستقرار لا يتحقق بالسلاح وحده بل بالتنمية البشرية والاقتصادية.
ولا يكتفي المغرب بالخطاب السياسي في المحافل الدولية، بل يترجم التزامه بالسلم العالمي على أرض الواقع، حيث يعتبر من أكبر المساهمين في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (الخوذ الزرق). وتتواجد القوات المسلحة الملكية في بؤر توتر صعبة (مثل جمهورية إفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية)، وتلعب دورا في حماية المدنيين وتأمين الانتقال السياسي.
ويتميز الانخراط المغربي في جهود بسط الاستقرار في المنطقة بإقامة المستشفيات العسكرية الميدانية وتقديم المساعدات الإنسانية، مما يعزز صورته كقوة سلام فعالة. ونالت القوات المسلحة الملكية إشادات دولية متكررة بفضل انضباطها واحترافيتها العالية في تنفيذ المهام الموكلة إليها تحت راية الأمم المتحدة.
وفي ظل السياق الجيوسياسي المعقد، تهدف الرئاسة المغربية لمؤتمر نزع السلاح إلى تفعيل الدبلوماسية الهادئة لتقريب وجهات النظر بين الدول النووية وغير النووية وربط نزع السلاح بالتنمية المستدامة، في إطار مقاربة مغربية تستند إلى قناعة بأن الأموال الموجهة للتسلح يمكن أن تنقذ الملايين من الفقر والتغير المناخي.
كما ينتظر أن تعمل المملكة على دفع المؤتمر للخروج من حالة الركود التي دامت لسنوات، والبدء في مفاوضات ملموسة حول معاهدات جديدة تضمن أمن الجميع.
وباختصار يمكن القول إن رئاسة المغرب لمؤتمر نزع السلاح هي “صك اعتماد” عالمي لسياسة المملكة الخارجية. إنها لحظة تؤكد أنها ليست مجرد دولة تدفع باتجاه بسط الاستقرار، بل هي شريك استراتيجي لا غنى عنه في بناء عالم أكثر أماناً، قائماً على سيادة القانون والحوار المتعدد الأطراف.







