تحقيقات

السودان على مفترق الطرق: لماذا جاءت تغييرات القيادة الآن؟


في الساعات الأخيرة، شهد المشهد السياسي السوداني حركة غير مسبوقة داخل قيادة الجيش ومجلس السيادة، حيث أظهرت تطورات حاسمة أن السلطة تسعى إلى إعادة ترتيب مراكز القوة في قلب السلطة نفسها. هذه التغييرات، التي شملت إخراج الفريق ياسر العطا من مجلس السيادة وتعيينه رئيسًا لهيئة الأركان، وإبعاد الفريق إبراهيم جابر، وإقالة كامل إدريس، ليست مجرد تغييرات إدارية، بل مؤشر واضح على صراع النفوذ الداخلي وتصاعد التوترات داخل المؤسسة العسكرية.

لكل هذه التحولات دلالاتها الخاصة، وأسبابها لا يمكن فهمها إلا إذا نظرنا إليها في سياق الأحداث الأخيرة في السودان. فالبلاد تمر بمرحلة حرجة، حيث تتداخل الأزمات السياسية مع الاقتصادية، وتتسارع الضغوط الداخلية والخارجية على حد سواء. الحرب المستمرة بين الميليشيات والمجموعات المسلحة المحلية، والتدهور الاقتصادي المتسارع، وضعف الخدمات الأساسية، كلها عوامل تزيد من هشاشة السلطة، وتجعل كل خطوة داخل القيادة العليا ذات تأثير مباشر على استقرار الدولة أو انهيارها.

إخراج الفريق ياسر العطا من مجلس السيادة وتعيينه رئيسًا لهيئة الأركان يمثل أولى خطوات إعادة التموضع داخل المؤسسة العسكرية. العطا، الذي كان أحد أبرز الأصوات السيادية، يُعاد توجيهه إلى موقع عسكري مهني، بعيدًا عن التأثير السياسي المباشر، مع إبقائه ضمن جهاز عسكري منضبط يمكن السيطرة عليه. هذا التغيير يعكس إدراك القيادة العليا أن بقاء العطا في المجلس السيادي قد يشكل مركز قوة مستقلًا يمكن أن يتحدى توازن السلطة الداخلي، خصوصًا في ظل هذه المرحلة الحرجة.

في الوقت نفسه، يشير إخراج الفريق إبراهيم جابر إلى أن الصراع لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح اقتصاديًا بالدرجة الأولى. جابر كان مرتبطًا بالملفات المالية وإدارة الموارد الحيوية، وهو ما يجعل موقعه حساسًا للغاية. السيطرة على الموارد والاقتصاد في هذا التوقيت الحرج تعني القدرة على التحكم في الولاءات داخل الجيش والمؤسسات المدنية، وضمان أن أي تحرك داخلي لن يؤدي إلى انهيار شامل في إدارة الدولة.

أما مصير نائب قائد الجيش شمس الدين كباشي، والذي يُرجح خروجه بنسبة 80٪، فهو مؤشر آخر على هشاشة مركز القرار، ووجود حسابات دقيقة لموازين القوة قبل اتخاذ أي خطوة حاسمة. التردد حول كباشي يكشف أن القيادة العليا تحاول الموازنة بين الضغوط الداخلية، ومخاطر الزعزعة داخل الجيش، مع الحاجة إلى فرض النظام والسيطرة على المؤسسة العسكرية في وقت تتعرض فيه الدولة لضغوط خارجية متصاعدة.

أما إقالة كامل إدريس، رئيس وزراء حكومة بورتسودان، فهي ترمز إلى نهاية تجربة الواجهة المدنية الشكلية. إدريس لم يكن صاحب سلطة فعلية، بل كان أداة لتوفير غطاء سياسي أمام الداخل والخارج، وتخفيف الانتقادات الدولية بشأن غياب المسار المدني. إخراجه يعكس أن السلطة قررت في هذا التوقيت التخلي عن هذا الغطاء، والتوجه نحو إدارة أكثر انكشافًا، تعتمد على القوة المباشرة والتحكم في المفاصل الحيوية للقرار.

لكن لماذا تأتي هذه التغييرات في هذا التوقيت بالذات؟ الجواب يكمن في مجموعة من العوامل المتداخلة. أولًا، تصاعد الضغوط الأمنية على الحدود والمناطق الساخنة جعل القيادة بحاجة إلى إعادة ترتيب قيادة الجيش لضمان ولاء القوات وحسم أي تهديد داخلي محتمل. ثانيًا، التدهور الاقتصادي الحاد، مع نقص الموارد الأساسية، وارتفاع أسعار الغذاء والعملات، يجعل السيطرة على ملفات الاقتصاد والموارد أمرًا ملحًا لضمان استقرار السلطة. ثالثًا، التوقيت الدولي والإقليمي يلعب دوره؛ فالسلطة تحتاج إلى تقديم صورة منضبطة أمام المجتمع الدولي، مع الإشارة إلى وجود قيادة قوية تستطيع التحكم في الدولة، حتى لو كان ذلك على حساب ظهور أو بقية الواجهة المدنية.

تحليل الأحداث يشير إلى أن كل خطوة في هذا التوقيت كانت محسوبة بعناية. نقل العطا إلى رئاسة هيئة الأركان وإبعاد جابر وإقالة إدريس ليست مصادفة، بل محاولة لإعادة ضبط مراكز النفوذ قبل أن تؤدي الأزمة الاقتصادية والسياسية إلى انفجار داخلي. القيادة في هذه المرحلة تدرك أن أي خطوة خاطئة قد تُحدث تمزقًا في المؤسسة العسكرية أو تؤدي إلى احتجاجات شعبية واسعة، ولذلك فإن كل تغيير مصمم ليقلل المخاطر ويضمن السيطرة على المراكز الأساسية.

هذا المشهد يكشف أيضًا أن الصراع في السودان لم يعد بين المدنيين والعسكريين أو بين الجيش والدعم السريع فقط، بل أصبح داخليًا داخل المؤسسة العسكرية نفسها. التوازنات الداخلية لم تعد ثابتة، والولاءات تتغير وفقًا للمصالح والمكاسب، وهو ما يجعل كل خطوة داخل القيادة العليا محفوفة بالمخاطر. وفي ظل هذه الظروف، يصبح كل تغيير إداري أو إعادة توزيع للمناصب أداة لإدارة الأزمة لا إصلاحها.

اللافت أن هذه التغييرات تأتي وسط غياب أي نقاش جاد حول مستقبل الدولة أو مسار سياسي حقيقي. الصراع يدور بين مراكز النفوذ، بينما يظل الشارع خارج الحسابات، ومعاناة المواطنين تتصاعد. هذا يعكس أن المرحلة الحالية لا تهدف إلى معالجة الأزمة الوطنية، بل إلى حماية السلطة نفسها وتأجيل الانفجار الداخلي.

في النهاية، تعكس تغييرات القيادة في السودان الحالية معركة السيطرة على القرار في لحظة حرجة. الشخصيات تتحرك، المناصب تتبدل، لكن المنطق الثابت هو إدارة المخاطر والحفاظ على التوازنات الداخلية، أكثر من أي مشروع إصلاحي أو مدني. هذه التحولات تظهر أن السلطة تحاول إعادة رسم حدود النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي على حساب أي مشروع وطني شامل، مؤكدين أن الصراع الحقيقي في السودان لم يعد فقط خارجيًا، بل أصبح داخليًا في قلب القيادة نفسها.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى