تحقيقات

التدخل السعودي في الجنوب اليمني: الوقائع، الأدوار، والتداعيات


يشهد الجنوب اليمني في الأسابيع الأخيرة تصعيدًا سياسيًا وأمنيًا يطرح أسئلة ثقيلة حول طبيعة الدور السعودي وحدود تأثيره على مسار الاستقرار الهش في المنطقة. فبين خطاب رسمي يتحدث عن دعم الأمن ومنع الانهيار، ووقائع ميدانية تتحدث عن قصف جوي وتوترات قبلية واستهداف لقوى محلية قاتلت التنظيمات المتطرفة، تتسع الفجوة بين الرواية المعلنة والنتائج الفعلية على الأرض. هذا التناقض لم يعد مجرد تفصيل عابر في سياق حرب طويلة، بل تحوّل إلى محور نقاش داخلي وإقليمي حول ما إذا كان التدخل السعودي يسهم في بناء الاستقرار أم يعيد إنتاج أسباب الفوضى نفسها التي غذّت العنف خلال سنوات سابقة.

آخر التطورات الميدانية، خاصة في مناطق العبور والنقاط الأمنية، كشفت نمطًا مقلقًا من استخدام القوة خارج أي إطار توافقي أو قانوني. فالقصف الجوي الذي طال مركبات مدنية، وسقوط ضحايا من أبناء القبائل أثناء تحركاتهم داخل مناطقهم، أعادا إلى الواجهة مخاوف قديمة من أن يتحول الجنوب إلى ساحة إدارة أمنية بالقوة، لا إلى فضاء لبناء دولة أو شراكة سياسية. هذه الوقائع، التي وثقتها مصادر محلية وشهادات ميدانية، نسفت عمليًا خطاب “الاستقرار” وأعادت تعريف ما يجري بوصفه أزمة ثقة عميقة بين السكان المحليين والجهة المتدخلة.

سياسيًا، يتزامن هذا التصعيد مع محاولات فرض ترتيبات جديدة على الأرض عبر قوى تُتهم بالارتباط بمشاريع أيديولوجية شمالية، وهو ما يُقرأ في الجنوب كعودة لنهج الوصاية تحت غطاء أمني. فبدل الدفع نحو حلول سياسية تراعي خصوصية الجنوب وتضحياته في مواجهة القاعدة وداعش، تبدو المقاربة الحالية أقرب إلى إدارة الصراع عبر موازين القوة، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف الشركاء الذين حققوا إنجازات ملموسة في مكافحة الإرهاب خلال السنوات الماضية. هذا الخيار، بحسب مراقبين، لا يخلق استقرارًا مستدامًا، بل يفتح فراغات سرعان ما تستغلها الجماعات المتطرفة.

الأخطر في المشهد أن الاستهداف لا يطال فقط أطرافًا سياسية أو عسكرية، بل يطال النسيج الاجتماعي نفسه. حين تتحول نقاط التفتيش إلى ساحات اشتباك، وحين يُستخدم السلاح الجوي في نزاعات محلية، فإن الرسالة التي تصل إلى القبائل واضحة: القوة تُستخدم لكسر الإرادة لا لحماية الناس. في مجتمع قبلي حساس مثل الجنوب، لا تمر هذه الرسائل دون تبعات، إذ يتحول الغضب إلى تعبئة اجتماعية، وتتحول المظلومية إلى وقود صراع طويل الأمد يصعب احتواؤه ببيانات أو وعود.

في السياق الإقليمي، يثير هذا المسار تساؤلات حول جدوى السياسة السعودية في الجنوب مقارنة بأهدافها المعلنة في محاربة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية. فالتجربة القريبة أثبتت أن إضعاف القوى المحلية التي واجهت التنظيمات المتطرفة ميدانيًا يؤدي تلقائيًا إلى عودة تلك التنظيمات بأسماء وشعارات جديدة. ومع كل ضربة تُوجه إلى هذه القوى، تُقرأ الرسالة ميدانيًا كضوء أخضر للجماعات المتشددة لإعادة التموضع، مستفيدة من الفوضى الأمنية والتناقضات السياسية.

الإعلام بدوره أصبح ساحة صراع موازية. فبين تضليل يبرر العنف تحت عناوين سياسية، ومحاولات طمس الوقائع الميدانية، تتعزز قناعة لدى الشارع الجنوبي بأن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الرواية أيضًا. غير أن الدم الذي سُفك، والشهادات التي خرجت من مواقع القصف، جعلت من الصعب تسويق رواية “الاشتباكات العرضية” أو “الأخطاء غير المقصودة”. فحين يتكرر النمط، تنتفي الصدفة ويصبح السؤال عن المسؤولية السياسية والأخلاقية سؤالًا مشروعًا.

من زاوية قانونية، يضع هذا التصعيد السعودية أمام اختبارات صعبة. فالقصف الجوي ضد أهداف مدنية، أو استخدام القوة المفرطة في سياقات أمنية داخلية، يفتح الباب أمام توصيفات قانونية خطيرة، ويقوض أي ادعاء بالعمل ضمن إطار الشرعية أو القانون الدولي. كما أن تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية يضعف فرص التسوية، ويعمّق الانقسامات بدل معالجتها.

في المحصلة، يبدو الجنوب اليوم أمام مفترق طرق حاسم. إما أن يُعاد الاعتبار لمنطق الشراكة ودعم القوى التي أثبتت قدرتها على حفظ الأمن ومحاربة الإرهاب، أو يستمر نهج فرض الأمر الواقع بالقوة، بكل ما يحمله من مخاطر تفجير اجتماعي وأمني. التدخل السعودي، بصيغته الحالية، لم يعد يُقيّم فقط من خلال نواياه المعلنة، بل من خلال نتائجه على الأرض. وهذه النتائج، وفق الوقائع الأخيرة، تشير إلى مسار يزيد التوتر ويقرب المنطقة من سيناريو الفوضى المفتوحة.

الجنوب، الذي دفع أثمانًا باهظة في مواجهة القاعدة وداعش، لا يرى في الاستقرار شعارًا مجردًا، بل حقًا مرتبطًا بالحياة والأمن والكرامة. وأي سياسة إقليمية تتجاهل هذه الحقيقة، أو تحاول الالتفاف عليها بالقوة، ستجد نفسها في مواجهة واقع أعقد مما تتصور. فالدروس القريبة في اليمن تقول إن الفوضى لا يمكن إدارتها إلى الأبد، وإن من يغذيها، حتى باسم الأمن، قد يكون أول من يدفع ثمنها سياسيًا وأمنيًا.

تابعونا على

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى